
* كتب/ خالد الجربوعي،
يشهد الشارع الليبي بجل فئاته وشخوصه هذه الفترة أخذا وردا وحراكا وحوارا يصل إلى الجدل بين داعم ومؤيد.. رافض ومستنكر.. متردد ومشكك..
كل ذلك حول ما قيل عنها إنها مبادرة صهر والمبعوث الشخصي للرئيس الامريكي “بولس مسعد” وما تحمله من تسريبات، تؤكد أحيانا وتنفى أحيانا أخرى حول ما يعد له من تقاسم للسلطة بين طرفي الصراع غربا وشرقا، وتحديدا بين عائلتي السلطة في كل طرف، وما سينتج عنها كما يتسرب من أخبار بمنح ابن سيد برقة وزعيمها العسكري سلطة المجلس الرئاسي، فيما في الجانب الآخر توحد الحكومة لكل البلاد تحت رئاسة من يقود حكومة طرابلس، وما تعرف بحكومة الوحدة الوطنية مع إقصاء بقية الأطراف الأخرى من هذه المقاسمة والحل كما يسميه البعض.. لترتفع الأصوات خاصة غربا وإن كان لها مكان شرقا أيضا، ولكن بصوت أقل علوا وأكثر خفوتا لأسباب متعددة.. حتى وصل الأمر غربا لخروج بعض المظاهرات وإصدار عديد البيانات من عدة جهات مختلفة، شعبية وعسكرية وحتى دينية رفضا لهذه المبادرة حسب ما تسرب حولها والذي لم تؤكد حقيقته بعد.
وطبعا للرافضين أسباب مختلفة، وهنا سأذكر لماذا ترفض هذه المبادرة حسب نتائجها المسربة لا المؤكدة فعليا..
وطبعا هذه الأسباب التي سأذكرها بعيدا كل البعد عمن يرفضها لأسباب مصلحية، أو من لا يجد له فيها مكانا، وبعيدا عمن يرفضها لأسباب أيديولوجية وسياسية او حتى دينية، أو من أجل أفكار محددة تخصه وتخص جماعته، وبعيدا عمن يرفضها حتى شخصيا رفضا لأصحابها والمستفيدين من ورائها..
هنا سأتحدث عمن يرفضها لأسباب وطنية فوق كل الأسباب المصلحية المحدودة.. من يرفضها لأنه يريد بناء دولة مؤسسات وقانون دولة نظام ومواطنة حقيقية لا دولة عائلات وقبائل وجهوية، أو دولة عسكر وجنرالات.. من يرفضها لأنه يبحث عن حرية تكسر كل القيود التي يفرضها من يراد لهم أن تكون الكلمة الأولى في البلاد من وراء هذه المبادرة المزعومة.. من يرفضها لأنها تشرعن الفساد وتمنح السلطة للفاسدين رسميا دون تردد لحكم البلاد والسيطرة عليها.
لهذا يجب أن نعلن لماذا يرفضها هؤلاء حتى لو كانوا قلة أو لا يسمع صوتهم، لأن الآخرين تصدروا المشهد وأخذوا مكانهم بطريقة أو أخرى، وأصبح جل هؤلاء خلف الستار لا صوت لهم ولا من يفتح لهم الباب للتعبير عن آرائهم ومواقفهم مما يحدث في البلاد، وما يعد لها في قادم الأيام.
نرفضها لأنها ستعيد حكم العائلة وتحول البلاد إلى ملكية خاصة لهم مثل المزرعة، والعباد إلى عبيد تحت أمرهم يفعلون بهم ما يحلو لهم..لأنها ستمنح القتلى والسراق والمجرمين حكم البلاد كاملة بشكل تام وعام بعد أن سيطروا على جزء منها بقوة السلاح والأمر الواقع.. لأنها ستعيد حكم العسكر والجنرالات وتحول البلاد إلى ساحة للقتل والتصفيات..
لأنها ستشرعن الفساد بعد أن تقسم السلطة وتمنحها للفاسدين ومن أهدروا أموال البلاد وأفقروا العباد..
نرفضها لأننا لا نريد أن يكون عندنا شارع زيت في طرابلس ولا سلاسل تعلق في الرقاب ولا نساء وشباب تختفي لا يعلم أحد عن مصيرهم، بعلم السلطة وأصحاب الكلمة رسميا لا مجرد جرائم لعصابات خارجة عن القانون تمارس الجريمة لوحدها تتواجد في أي مكان.
نرفضها لأنها ستسقط كل التضحيات التي قدمت من أجل إسقاط نظام الفرد والعائلة والعسكر والتوريث، وتعيده بنسخة باهتة تحاول أن تفرض نفسها عبر الأبناء بعد ما فشل فيه الأب بقوة السلاح، وعدوان العاصمة وتدمير حجرها وقتل بشرها.. أو من خلال تحالفات لاحقة مع بعض شخوص غرب البلاد، ظنا منه أنها قد تمنحه ما فشل في الوصول إليه بقوة السلاح يوما، لكن ذلك المسعى فشل هو الآخر وأسقط من تحالف معه ومد له اليد لمنحه ما يريد، فأخرج من طرابلس خائبا هو الآخر يجر أذيال الهزيمة والخيبة يوما، لهذا يراد اليوم منح كل ذلك للأبناء بحجة السياسة والحوار والتفاهم وتوحيد البلاد.
نرفضها لأنها ستسقط حلم الليبيين بدولة مؤسسات وقانون ومواطنة حقيقية ولو بعد حين، لأن العسكر والعائلة إن تمكنوا من الحكم بشكل رسمي وعلى كامل تراب البلاد سيصبح إسقاطهم أمرا خارج كل فعل وحدث، وستعاد البلاد والعباد إلى حكم أسوأ مما تم إسقاطه في 2011م، وقدم من أجل ذلك أغلى الأثمان دما وحجرا، فهل نعيد كل ذلك بجرة قلم واتفاق استسلام كامل بعد كل ما جرى في البلاد للتغيير والبحث عن نظام ديمقراطي عادل، يمنح الحقوق للجميع وتقدم له الواجبات من الجميع.
كما يجب التوضيح أن رفض مبادرة تقسيم السلطة بين الفاسدين لا يعني دعم الأطراف الأخرى والجماعات الأيديولوجية والسياسية المختلفة التي ترفض هي أيضا مثل هذه المبادرة، فهي جزء من الأزمة ولا تستحق سلطة ولا دورا، فالأمر غير ذلك تماما، فكل متصدري المشهد اليوم بكل شخصوهم وفئاتهم وتوجهاتهم لا قيمة لهم ولا أهمية، ولا يستحقون حكم البلاد ولا قيادة العباد، فهل كتب على الليبيين أن يخيّروا دائما بين الدولة العسكرية والعائلة والاستبداد، أو الفوضى والإرهاب وغياب الدولة..
وما يؤسف له أن كل من يرفضها من أصحاب السلطة والكراسي فجأة وبمجرد زيارة واشنطن أو لقاء شخصية أمريكية تنقلب مواقفه ويتغير رايه، ويصبح من داعميها والمسوقين لها، ويخبرنا أنها مع مصلحة ليبيا، وأنه يدعمها وكأنه قد قبض الثمن أو وعد بأن يكون له دور ومكان من خلالها.
وأخيرا وليس آخرا، أعتقد أن مبادرة صهر ترمب السياسية تحديدا سقطت قبل أن تبدأ، وهنا أتحدث عن تقسيم السلطة بين الفاسدين لا غير..
لهذا على جماعة المبادرة التفكير بعد فشل مسعدهم في تمكين ابن سيدهم من الحكم، وسقوط مبادرته، ماذا سيفعلون عندها أو عليهم البحث عن بولس الطرطوسي فقد يكون عنده الحل..!!
وختاما نرفضها لأننا لا نريد ان نكون جزءا من عبيد وقطيع سيد برقة وأبنائه، فما يخرج من كل ما يقع تحت سيطرته وأبنائه من مشاهد وصور للتقديس والعبودية والإذلال تجاوزت كل حد ومنطق، خير دليل على ذلك، وهو ما لم يحدث حتى في عهد القذافي طيلة عقود من الحكم والسيطرة على كل ليبيا، رغم كل ما فعله بالبلاد والعباد.. ومن يريد أن يكون جزءا من هذا القطيع وواحدا من العبيد ويرضى بحياة الذل والخنوع فليذهب إليه في مكانه، ولا يطالب بإحضاره لنا حتى نتحول إلى جزء من قطيعه وعبيده.



