
* كتب/ محمد اللديد،
في عالم تتقاطع فيه الجغرافيا السياسية مع أسواق الطاقة، تظل التوترات المرتبطة بإيران أحد أبرز العوامل المحركة لتقلبات أسعار النفط العالمية، وهو ما ينعكس بصورة مباشرة على اقتصادات الدول الريعية، وفي مقدمتها ليبيا فمنذ عام 2019 وحتى 2026، شهدت الأسواق النفطية موجات متتالية من الارتفاع والانخفاض، كان للتوترات في الخليج العربي خصوصاً في محيط مضيق هرمز دور حاسم في تشكيلها. وبالنظر إلى اعتماد الاقتصاد الليبي على النفط كمصدر لأكثر من 90% من الإيرادات العامة، فإن أي اضطراب في هذه المنطقة يترجم سريعاً إلى تأثيرات مالية واقتصادية داخلية.
بدأت ملامح هذا التأثير بوضوح في عام 2019 مع تصاعد التوترات بين إيران والولايات المتحدة، وما صاحبها من هجمات على ناقلات النفط في الخليج. حينها ارتفعت أسعار النفط بشكل مؤقت، متجاوزة حاجز 70 دولاراً للبرميل، قبل أن تعود للتراجع بفعل عوامل أخرى. لكن الرسالة كانت واضحة: المخاطر الجيوسياسية قادرة على دفع الأسعار بسرعة، حتى في ظل وفرة المعروض. وفي عام 2020، ومع جائحة كورونا، انهارت الأسعار إلى مستويات غير مسبوقة، وهو ما كشف هشاشة الاقتصادات المعتمدة على النفط، ومنها ليبيا، التي عانت من تراجع حاد في الإيرادات بالتزامن مع إغلاقات داخلية للحقول والموانئ.
بين 2021 و2023، عادت الأسعار للارتفاع تدريجياً مع تعافي الطلب العالمي، ثم جاءت موجات توتر جديدة مرتبطة بالملف النووي الإيراني والاحتكاكات في الخليج لتضيف “علاوة مخاطر” على الأسعار، تراوحت في بعض الفترات بين 5 إلى 15 دولاراً للبرميل. هذه العلاوة، رغم أنها غير مستقرة، كانت ذات أثر إيجابي نسبي على المالية العامة الليبية، حيث ساهمت في تعزيز الإيرادات النفطية، وتقليص الضغوط على الميزانية.
بحلول 2026، تشير بيانات المؤسسة الوطنية للنفط إلى أن إنتاج ليبيا في شهر مارس بلغ نحو 40.4 مليون برميل شهرياً، منها 31.3 مليون برميل حصة الدولة، مقابل 7.9 مليون برميل للشركاء الأجانب. هذه الأرقام تعكس استقراراً نسبياً في الإنتاج مقارنة بسنوات سابقة، لكنها في الوقت ذاته تؤكد أن العائدات تظل رهينة للسعر العالمي أكثر من حجم الإنتاج. فعلى سبيل المثال، عند متوسط سعر 80 دولاراً للبرميل، يمكن أن تتجاوز الإيرادات الشهرية لحصة الدولة 2.5 مليار دولار، بينما تنخفض بشكل حاد إذا تراجعت الأسعار إلى ما دون 60 دولاراً.
هنا يبرز الدور المحوري لـمضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو 20% من تجارة النفط العالمية. ورغم أن السنوات الأخيرة شهدت حديثاً متزايداً عن تراجع أهمية هذا الممر مع تنامي إنتاج النفط الصخري في الولايات المتحدة وتوسع استخدام الطاقة البديلة، إلا أن الأحداث أثبتت عكس ذلك. ففي كل مرة تتصاعد فيها التهديدات بإغلاق المضيق أو تعطيل الملاحة فيه، تقفز الأسعار فوراً، ما يعكس استمرار حساسية السوق لأي اضطراب في هذا الشريان الحيوي. ويمكن استحضار أمثلة مثل هجمات 2019 على منشآت أرامكو، التي أدت إلى ارتفاع حاد ومفاجئ في الأسعار، أو التوترات المتكررة التي كانت كفيلة بإحداث تقلبات حتى دون وقوع إغلاق فعلي.
بالنظر إلى المستقبل، يمكن تصور ثلاثة سيناريوهات رئيسية لتأثير الحرب الإيرانية الأمريكية الصهيونية على الاقتصاد الليبي:
السيناريو الأول يتمثل في استمرار التوترات عند مستوياتها الحالية أو تصاعدها بشكل محدود. في هذه الحالة، من المرجح أن تظل أسعار النفط مدعومة بعلاوة المخاطر، ما يعني إيرادات مرتفعة نسبياً لليبيا على المدى القصير. لكن هذا السيناريو يحمل في طياته مخاطر، أبرزها الاعتماد المفرط على إيرادات غير مستقرة، وتأجيل الإصلاحات الاقتصادية الضرورية.
السيناريو الثاني يفترض تهدئة الأوضاع وعودة الاستقرار النسبي، سواء عبر اتفاقات سياسية أو تفاهمات أمنية في الخليج، هنا قد تنخفض أسعار النفط تدريجياً مع تراجع علاوة المخاطر، وهو ما قد يضغط على الميزانية الليبية، خاصة إذا لم يقابله ضبط للإنفاق العام. هذا السيناريو، رغم أنه يبدو سلبياً من زاوية الإيرادات، قد يكون إيجابياً على المدى الطويل إذا دفع صناع القرار نحو إصلاحات هيكلية.
أما السيناريو الثالث، وهو الأكثر تحدياً، فيتمثل في انخفاض حاد في أسعار النفط نتيجة تضافر عدة عوامل، مثل تباطؤ الاقتصاد العالمي أو زيادة المعروض، بالتوازي مع تراجع التوترات. في هذه الحالة، قد تواجه ليبيا عجزاً مالياً متزايداً، وضغوطاً على سعر الصرف، وتراجعاً في الإنفاق العام، ما ينعكس على مستوى الخدمات والاستقرار الاقتصادي.
ورغم هذه التحديات، تبرز أمام ليبيا مجموعة من الفرص التي يمكن استثمارها بذكاء.
أولاً، يمكن استغلال فترات ارتفاع الأسعار لإعادة بناء الاحتياطيات المالية، وتأسيس صناديق استقرار تمتص الصدمات المستقبلية.
ثانياً، يمثل استقرار الإنتاج الحالي فرصة لجذب استثمارات أجنبية في قطاع الطاقة، خاصة في مجالات الاستكشاف والتكرير والبتروكيماويات.
ثالثاً، يمكن استخدام العائدات النفطية كرافعة لتنويع الاقتصاد، عبر الاستثمار في قطاعات مثل الطاقة المتجددة، والخدمات اللوجستية، والصناعات الخفيفة.
الأهم من ذلك، أن التوترات الإقليمية تفتح نافذة لإعادة تموضع ليبيا في خريطة الطاقة العالمية، ليس فقط كمصدر خام، بل كشريك محتمل في سلاسل التوريد، إذا ما تم تطوير البنية التحتية وتعزيز بيئة الأعمال. لكن تحقيق ذلك يتطلب إرادة سياسية واضحة، وإدارة رشيدة للموارد، وتجاوز الانقسامات المؤسسية التي لطالما أعاقت الاستفادة الكاملة من الثروة النفطية.
في المحصلة، تكشف التجربة الممتدة من 2019 إلى 2026 أن الاقتصاد الليبي يظل شديد الحساسية للتقلبات الخارجية، خاصة تلك المرتبطة بالتوترات الإيرانية وأسواق النفط العالمية. وبينما توفر هذه التوترات أحياناً مكاسب مالية قصيرة الأجل، فإنها في الوقت ذاته تكرس نمطاً من الاعتماد غير المستدام والسؤال الذي يظل مفتوحاً أمامنا: هل ستبقى ليبيا رهينة لتقلبات مضيق هرمز وأسعار النفط، أم تنجح في تحويل هذه التقلبات إلى نقطة انطلاق نحو اقتصاد أكثر تنوعاً واستقراراً؟



