
الناس-
كشف تحقيق صحفي لمنظمة “ذا سنتري” الأمريكية عن تورط مزعوم لكل من الصديق الكبير محافظ مصرف ليبيا السابق، وفرحات بن قدارة رئيس المؤسسة الوطنية للنفط السابق، وشخص ثالث يدعى “أحمد جاد الله” في تمويل هجوم حفتر على العاصمة طرابلس 2019- 2020م.
ويزعم التحقيق الذي نشر مؤخرا أن بدء الهجوم مول بأموال من الخزينة الليبية، كان في قلبه كلا من الكبير وبن قدارة. أما الشخص الثالث وهو “أحمد جاد الله” وفق ما ورد في التقرير، فقد “نجح في تحويل مؤسسات الدولة الليبية إلى صراف آلي لتمويل الحروب، وغسيل الأموال، والالتفاف على حظر الأسلحة الدولي لشن حرب على عاصمة البلاد”، بل و”توفير السلاح لقوات الدعم السريع في الحرب السودانية الحالية”- بنص التقرير.
“جاد الله” وهو اسم لم يكن مألوفا من قبل، تقدمه “ذا سنتري” بأنه الواجهة المالية الرئيسية لآل حفتر. وتحديدا لصدام.
الكبير وبن قدارة
يشرع التقرير بسؤال تقريري: “كيف دفع الليبيون ثمن الحرب عليهم”؟
ويجيب عليه بجملة “هندسة القرض الدوار” التي هي هندسة مالية معقدة لتوجيه مبلغ 300 مليون دولار من الأموال العامة لتمويل نفقات الصراع، التي “بدأت بسلسلة من التغييرات الهيكلية في المؤسسات المالية السيادية منذ 2018م.
ذات سنتري: الكبير قدم تسهيلات لحفتر كمقايضة لتأمين مستقبله السياسي في حال انتصاره
ففي ذلك العام أعاد “الصديق الكبير- محافظ مصرف ليبيا المركزي وقتها” تشكيل مجلس إدارة المصرف الليبي الخارجي، بتعيين شخصيات موالية له، ما سمح بتمرير قرارات بعيدا عن الرقابة”- يقول التقرير.
كانت هذه هي الخطوة الأولى، تلاها تحويل مبالغ من النقد الأجنبي على شكل ودائع سيادية للمصرف العربي للاستثمار والتجارة الخارجية في أبوظبي، المعروف باسم “المصرف”، الذي يمتلك فيه المصرف الليبي الخارجي حصة كبيرة، ويترأسه “فرحات بن قدارة” الذي رقاه “الكبير” لرئاسة البنك في الشهور السابقة للهجوم على طرابلس.
بن قدارة هو ثاني الشخصيات المهمة المذكورة في التقرير، وهو يحمل الجنسية الإماراتية ويعمل كمستشار اقتصادي لحفتر وعائلته.
ظهور الشخصية الثالثة “أحمد جاد الله”
ووفق منظمة التحقيقات فإن التحالف بين الشخصيتين المصرفيتين خلق منطقة رمادية، حيث استخدمت الوديعة السيادية الليبية كضمان مكنت ثلاث شركات يملكها “جاد الله” وتعمل كواجهات في دبي للحصول على قروض ائتمانية فورية، وقد سحبت الأموال نقدا أو حولت عبر وسطاء لتغطية التكاليف اللوجستية للحرب، بما في ذلك دفع مرتبات مجموعة فاغنر الروسية.
و”هذا المخطط –وفق المنظمة- لم يكن ليتم لولا استراتيجية التحوط السياسي التي اتبعها الكبير تحسبًا لنصر محتمل في طرابلس، حيث قدم هذه التسهيلات كعملة مقايضة لتأمين نفوذه ومستقبله السياسي في حال تغيرت موازين القوى العسكرية.
ويخلص المحققون إلى أن هذه الواقعة تثبت أن الانقسام بين الشرق والغرب يتلاشى أمام مصالح الطبقة “الكليبتوقراطية” العابرة للحدود، “التي تجيد استخدام الامتثال الصوري واللوائح البنكية الرسمية كغطاء قانوني لعمليات نهب ممنهجة، محولةً المؤسسات المالية الرسمية إلى أدوات لوجستية في يد أمراء الحرب ووكلاء المال مثل جاد الله”.
ماذا حصل بعد هزيمة حفتر؟
عقب فشل الهجوم، أغلق “المصرف” دفاتره لعام 2020 مسجلا خسارة سنوية صافية قدرها (240) مليون دولار أمريكي، (ما يعادل ملياري دينار ليبي تقريبا بأسعار الصرف هذه الأيام).
هذه الخسارة كانت نتيجة عجز شركات “جاد الله” عن سداد القروض المستحقة، غير أن “بن قدارة” عزاها إلى “مخصصات انخفاض القيمة” الناتجة عن جائحة كورونا.
لذلك أرسل المصرف الليبي الخارجي في العام 2021 رسالة إلى “بن قدارة” يطلب فيها توضيحا بشأن الخسائر الاستثنائية، في ظل مخاطر لجوء “المصرف” إلى تفعيل حقه في الضمانات المتمثلة في الودائع التي أودعت عام 2019 كرهون.
وكان رد المصرف أن واصل تصنيف القرون بأنها “متعثرة” وليس “غير قابلة للاسترداد” كما هو الحال. وظل هذا الوضع قائما حتى يناير 2025م.
كيف وظف “جاد الله” المقاصة المصرفية؟
التحقيق يسلط الضوء على جانب آخر من الاقتصاد الموازي الذي يديره “جاد الله”. يقول: بعد 2020، لم يتراجع دور “جاد الله” بل تمدد ليصبح فعليًا المدير التنفيذي لاقتصاد شرق ليبيا تحت حماية صدام حفتر، وغدا يسيطر على قطاعات حيوية تشمل النفط وصناعة الإسمنت والشحن والطيران”.
ذا سنتري: توصي بملاحقة “جاد الله” وإقالة بن قدارة من “المصرف” وتدعو النائب العام الليبي للتحقيق في (300) مليون استخدمت لتمويل الصراع
لكن النشاط الأكثر خطورة وفق تقديرات المحققين هنا هو السيطرة على القطاع المصرفي في شرق ليبيا، وتحديدا مصارف: التجارة والتنمية، الوحدة، والتجاري الوطني. إذ يتهم جاد الله بإدارة منظومة واسعة للاعتمادات المستندية المشبوهة وغسيل الأموال.
وهو أيضا قد: “لعب دورًا كبيرًا في تداول الدنانير الليبية المطبوعة في روسيا، وهي أوراق نقدية مزورة، تقدر قيمتها بعشرة مليارات دينار ليبي فُرضت على المصرف المركزي، ساهمت في تآكل قيمة الدينار الليبي وضرب الاستقرار النقدي للبلاد”.
تهريب السلاح
ولم يقتصر دور جاد الله على الجانب الاقتصادي، بل كان -وفق التحقيق- منسقا لوجستيا لأبرز صفقات السلاح العابرة للحدود. إذ “يكشف التحقيق عن هندسة معقدة للالتفاف على الرقابة الدولية باستخدام شركات واجهة وتوصيفات مضللة للشحنات، بعضها مرتبط بتدفقات لتغذية حرب السودان ضمن خط إمداد لصالح قوات الدعم السريع”.
ففي العام 2023م “اعترضت السلطات الإسبانية والفرنسية شحنات أسلحة غير مشروعة كانت موجهة إلى صدام حفتر، وضمت 44 طائرة مُسيّرة وكاميرات حرارية ومعدات عسكرية بقيمة 14 مليون يورو. وبرز اسم جاد الله في التحقيقات بوصفه حلقة وصل مالية ومنسقًا لوجستيًا، اضطلع بدور محوري في الالتفاف على أنظمة الرقابة الأوروبية”.
ثم في يونيو 2024م “اعترضت السلطات الإيطالية في ميناء “جويا تاورو” شحنة من مُسيّرات قتالية صينية كبيرة كانت في طريقها إلى بنغازي. وقد تكفلت إحدى شركات جاد الله المسجلة في دبي بدفع تكاليف النقل البحري لهذه الشحنة التي وُصفت في أوراقها بأنها “توربينات رياح”، وذلك بتنسيق مباشر مع صدام حفتر.
واطلعت “ذا سنتري” على تحقيق أجرته السلطات الكندية ذكرت فيه أن الشحنة، التي غادرت الصين في مارس وأبريل 2024 نحو بنغازي جاءت ضمن ترتيب أوسع، باعت فيه المؤسسة الوطنية للنفط، برئاسة بن قدارة، النفط الليبي بخصومات متعمدة لمشترٍ مرتبط بالدولة الصينية، مقابل تدبير هذه المشتريات. في محاولة للالتفاف على حظر السلاح المفروض على ليبيا بقرار من مجلس الأمن الدولي.
ذا سنتري: عقب هزيمة حفتر سجل “المصرف” خسائر تقدر بـ(240) مليون دولار عزاها بن قدارة إلى جائحة كورونا
وآخر شحنة سلاح أشار إليها التحقيق كانت في يوليو 2025م، حين أبحرت سفينة حاويات مملوكة لـ”جاد الله” محملة بـ350 حاوية من الذخائر، ونحو (200) مركبة عسكرية قادمة من الإمارات باتجاه بنغازي كمحطة، قبل وصولها لقوات الدعم السريع السودانية. وقد اعترضت في أحد موانئ اليونان. قبل أن يفرج عنها دون مصادرة العتاد الذي على متنها. رغم أن بيان الشحنة كان يشير إلى أنها مستحضرات تجميل وإلكترونيات متجهة إلى هولندا.
امبراطورية “جاد الله” العقارية في دبي
ويركز التقرير في جزئه الأخير على حياة البذخ التي يعيشها جاد الله في ظل أزمات المعاش اليومي لدى الليبيين، فهو حسب التقرير “يتملك امبراطورية عقارية في الإمارات، وشقة فاخرة في كندا تقدر قيمتها بـ3.7 مليون دولار، فضلا عن تنقله بطائرات خاصة حاملا جواز سفر “سانت كيتس”. كنتاج مباشر لتحويل مقدرات الدولة إلى ثروات شخصية محمية بسلطة السلاح.
وأوصت “ذا سنتري” كلا من الولايات المتحدة وبريطانيا والاتحاد الاوروبي وكندا، بملاحقة جاد الله وتجميد أصوله وعقاراته في كل من دبي وتورنتو ولندن ومالطا، كما أوصت بإقالة “بن قدارة” من رئاسة مجلس إدارة “المصرف” في أبوظبي.
كما أوصت النائب العام بالتحقيق في تبديد (300) مليون دولار من أموال الدولة، والمشار إليها في مطلع التقرير بأنها كانت المبلغ الذي مول بداية الهجوم على طرابلس في 2019م.



