الرئيسيةالراي

رأي- بين واجب التبليغ وصوت الضمير

* كتب/ د. محمود أبوزنداح،  

من كل قلبي اسمحوا لي أن أخاطب قلوبكم قبل عقولكم…
رحم الله العلامة الشيخ محمد الراوي.
أتذكر له موقفًا عميق الأثر، حين كان في سنٍ متقدمة؛ جسدٌ أثقله العمر، لكن روحه كانت متجددة علمًا ومعرفةً وصدقًا ومحبة. عندما كان يتحدث، كنت تشعر أن الكلمات لا تخرج من فمه فقط، بل من قلبٍ صادقٍ عامر بالإيمان؛ حتى يخيل للسامع أن للملائكة نصيبًا في ذلك الصفاء.
كان يؤكد دائمًا على معنى عظيم: واجب التبليغ.
كان يقول إن علينا أن نصل برسالة الإسلام إلى العقول والقلوب، لأن الشعوب قد تقف يومًا بين يدي الله محتجةً علينا أننا لم نبلغهم الحقيقة كما ينبغي. فقد بعث الله نبيه محمدا صـلى اللـه عليه وسلم لأجل التبليغ، وأعظم ما في رسالته أن يصل الدين الحق إلى كل الشعوب والأعراق. وما علينا إلا أن نبلغ، وأن نعمل بما بلغنا.
إن الدين عند الله حق وعدل، فكيف يستقيم حال إنسان يظلم ثم يفاخر بظلمه، أو يجاهر بكفره وعناده؟ وكيف يلين قلب من امتلأت حياته بالحرام في مأكله وملبسه ومسكنه؟ إن الظلم حين يتجذر في النفوس يفسد الفطرة ويعمي البصيرة.
وما يؤلم الضمير أن نرى من يرتكب جريمة عظيمة، كأن يدهس الأبرياء في طريقه فيوقع قتلى وجرحى، ثم نجد من يستقبله بالاحتفالات وكأنه بطل! في الوقت الذي تعج فيه الشوارع بالمحتاجين والمتسولين، وتضيق موائد الخير عن الفقراء، بينما تتسع موائد الفاسدين لمن يتزاحمون عليها.
إن المفارقة المؤلمة أن بعض الناس يبخل بتمرةٍ توضع على مائدة إفطار صائم في مسجد، بينما لا يتردد في التقرّب إلى موائد الفساد والباطل. وهذا من علامات اختلال الموازين حين يضعف الضمير وتغيب القيم.
بل إننا نشهد أحيانًا من يجاهر بتغيير دينه أو يفاخر بالباطل، وتقام الاحتفالات لمن أجرم في حق الناس، بينما تبقى قلوب أهالي الضحايا مثقلة بالحزن والجراح. وعند الدفن قد تُغلق دفاتر القضايا عند البعض، لكنها في الحقيقة تُفتح جراحًا جديدة في قلوب آخرين.
وهنا يبرز واجبنا الأخلاقي والشرعي: أن نبلغ الحق ونذكر به.
فالقتل الخطأ في الشريعة له أحكامه من الدية والكفارة، وهو باب للتوبة والتقرب إلى الله، لا للاحتفال والفرح. والواجب أن يشعر الإنسان بعظم الخطأ، وأن يسعى إلى الإصلاح والإنابة، لا إلى التفاخر أو التبرير.
إن المجتمع الذي يحتفي بالعدل والرحمة ينهض، أما المجتمع الذي يبرر الظلم فإنه يفتح أبواب الفتنة على نفسه.
لذلك يبقى واجب التبليغ قائمًا…
أن نقول كلمة الحق، وأن نذكر الناس بالقيم، وأن نحفظ للدين مكانته في النفوس قبل أن تضيع المعاني وتختلط الموازين.
فالدين لا يضيع إلا إذا سكت أهله عن الحق، أو خجلوا من التذكير به.
فلنبلغ… قبل أن يضيع الدين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى