الجمهورية العربية الإسلامية. ولدت في جربة وماتت في جنيف.. فماذا كانت؟
أبورقيبة رئيسها. والقذافي رئيس لأركان جيشها

الناس-
في إحدى شطحاته. سلم القذافي مفاتيح ليبيا إلى “ابورقيبة”.. وسلم أبورقيبة مصير تونس إلى المجهول.. في إحدى شطحاته..
كان هذا في 12 يناير 1974م.
فيلم ليبي تونسي، كتبه وأخرجه الرئيسان الليبي والتونسي في جربة التونسية. وأطلق عليه الرصاص المميت الرئيس الجزائري الهواري بومدين.
الحديث عن فيلم “إعلان جربة” أو “الجمهورية العربية الإسلامية”..

في مطلع سبتمبر من العام 1973 كان القذافي متذمرا من الرئيس المصري السادات الذي أدار له ظهره، بعد أن تعاهد معه على وحدة اندماجية بين ليبيا ومصر.
وحدث أن زار الحبيب أبورقيبة القذافي وهو على هذه الحال، فعقد معه صفقة غريبة، لنقل إنها شطحة ليست غريبة على القذافي؛ لكنها تحمل كل الغرابة في سجل الحبيب أبورقيبة.. قال له: “الشرق الأوسط كلهم مشارقة. إن اتحادكم مع المصريين لا أؤمن به. فلتأت إلى تونس، وسيكون الأمر أكثر جدية”.
***
في يناير 1974 زار القذافي تونس فاستقبلته الجماهير التونسية بحرارة، فالتفت إلى وزير المالية التونسي وقال: “إننا شعب واحد والله! سنفوض بعد حين كل شيء إلى أبورقيبة”.
وصل القذافي إلى جربة ونزل بأحد فنادقها، يقول وزير الداخلية التونسي الأسبق الطاهر بلخوجة في كتابه “سيرة زعيم”.. “استقبل القذافي أبورقيبة في الفندق وطلب منه الحديث على انفراد..
يتابع: (انقضت ساعة قبل أن ينادينا مدير المراسم ويدخلنا على الرئيسين، فكان القذافي أول من تناول الكلمة فقال: “مبروك! لقد وقعنا وثيقة الوحدة وأصبح أبورقيبة منذ الآن رئيسنا جميعا”)!
***
أطلق على الدولة الوليدة اسم “الجمهورية العربية الإسلامية”..
وأعد القذافي قائمة الحكومة في نفس الجلسة، فعيّن أبورقيبة رئيسا ومعمر القذافي نائبا له ورئيسا للأركان العامة للجيش.
في رئاسة الوزراء عبدالسلام جلود، وفي وزارة الخارجية محمد المصمودي، وفي الداخلية الخويلدي الحميدي..
كان في الحكومة 16 اسما من تونس، و14 من ليبيا..
وكان من الطرائف أن يطرح القذافي اسم زين العابدين بن علي، ويرشحه رئيسا للمخابرات العسكرية! في حين تساءل أبورقيبة: من هذا؟ هل هو ليبي أم تونسي؟!
وتم الأمر على أن يقع الاستفتاء لقيام الوحدة يوم 18 يناير. أي على بعد أسبوع من هذا التوقيع!
وأعلنت الإذاعة التونسية أنها ستتخذ منذ ذلك الحين اسم “إذاعة الجمهورية العربية الإسلامية”.
***
كان تطورا دراماتيكيا محا دولتين في غضون ساعة، وأقام بهما دولة جديدة، على أن يستفتى عليهما شعبيا بعد حوالي أسبوع.
وإذا كان القذافي قد أتى على ظهر دبابة ولن يناقشه أحد فيما يمضي إليه، فإن مراكز الثقل في تونس وقفت في وجه أبورقيبة بحدة، فقطع رئيس وزرائه “الهادي نويرة” زيارة لإيران، وعاد لتونس ليقدم استقالته احتجاجا، ووقفت “وسيلة أبورقيبة” زوجة الرئيس ضد المشروع برمّته، كما أن مجلس الوزراء وقف مذهولا، باستثناء “المصمودي” الذي كان مؤيدا.
أما بورقيبة فقد كان يردد منتشيا: “لم أكن قط أتخيل أن مثل هذا الحلم سيتحقق وأنا على قيد الحياة”.
***
توالت ردات الفعل من داخل وخارج تونس، فكتبت لوريان الشرق اللبنانية: “يمثل الزعيمان ما تتسم به الأمة العربية من سمات متعارضة كليا: الواقع والوهم، النظام والفوضى، الحكمة والتهور، العلمانية والتعصب الديني..
أما النساء التونسيات فقد رفضن تلك الوحدة علانية، “خوفا من العودة إلى نظام تعدد الزوجات” – يقول بلخوجة.
***
في 13 يناير اتصل أبورقيبة بالهواري بومدين ليعرض عليه الانضمام إلى الوحدة، فأجابه بومدين بشيء من الخشونة: إن الجزائر لا تمتطي القطار وهو يمشي، وإن الحدث قد تكون له عواقب غير متوقعة بالنسبة للمنطقة بأسرها”.
كان موقفا واضحا وحاسما من الجزائر، وقد تواصلت الخارجية الجزائرية وكان على رأسها “عبدالعزيز بوتفليقة” وقتها، معززة رسالة الرئيس بالقول: “كل شيء ممكن مع الجزائر، ولا يمكن أن يتحقق شيء بدونها”.
ووجد أبورقيبة نفسه في دوامة من الانتقادات الداخلية والخارجية، وتفطن أخيرا إلى أن تيارا أقوى منه في مواجهته، فطار إلى جنيف في إجازة..
***
يقول “بلخوجة” إنه بعد يومين وصل “الخويلدي الحميدي” ومعه علم الجمهورية المقترح، وكان هلالا ونجمة أحمرين، على أرضية خضراء.. كما أبلغه أن بطاقات التصويت على الاستفتاء قد طبعت في طرابلس بالكامل!!
ولعل المعضلة التي واجهها التوانسة على وجه الخصوص، أنه لا وجود لخيار الاستفتاء من هذا النوع في نص دستورهم!
***
اتصل القذافي بأبورقيبة في جنيف وأخبره أنه قادم إليه، فطارت الحكومة التونسية بأسرها لجنيف لمؤازرة زعيمها، وبقي وحده وزير الداخلية في تونس.
كان القذافي غاضبا وساءل أبورقيبة عن سبب تراجعه: “ألم أطلب منك التريث لشهرين وكنت مصرّا على إمضاء الأمر فورا؟”
وكما يخبر “أحمد بنور” رئيس المخابرات التونسية مطلع الثمانينات، بأن أبورقيبة كان محرجا، فصمت، وتحدث وزراؤه، قالوا بأن هناك إشكاليات قانونية، حيث لا يتضمن الدستور التونسي إجراء الاستفتاء من هذا النوع. وجادلوا بالحجة والمنطق. لكن كل هذا لم يكن محل قبول من القذافي..
لم تكتمل فصول الفيلم عند فشل تنفيذ الاتفاق، فمن السقطات التي وقع فيها أبورقيبة أن النسخة الوحيدة من الوثيقة الموقع عليها ظلت بحوزة القذافي، وكان على تونس خوض معركة دبلوماسية شائكة لاستعادة الوثيقة، حيث لا يتوقع أن يفوت القذافي الأمر دون ابتزاز وضغوطات.
ووضع هذا الدولة التونسية في مأزق جعل حدودها مع ليبيا على أقصى درجة من التأهب، فقد خشي التوانسة أن يستغل القذافي هفوة أبورقيبة ويحاول غزو تونس مستندا إلى تلك الوثيقة..
لكن الدبلوماسية التونسية تمكنت أخيرا من استعادة الوثيقة لتضم إلى الإرشيف، فقد أخذها القذافي بنفسه لاحقا إلى تونس وسلمها باليد للحبيب أبورقيبة.. دون أن نعرف ماذا كان الثمن.
لكن هذا لم يكن سوى الفصل الأول من الفيلم الطويل بين القذافي وأبورقيبة، وقد جاءت أحداث قفصة بعدها بست سنوات لتتوج هذا العبث القذافي البورقيبي.. ويدفع الشعبان ثمنه عشر سنوات من القطيعة..



