* كتب/ وحيد الجبو،
لم تعد المعاناة خافية على أحد.. أغلبية الشعب الليبي يعيش اليوم بين غنى الوطن وفقر المواطن،
بين ثروات تُنهب علنًا وشبابٍ تائهٍ بلا أملٍ أو عمل.
الليبيون لم يعودوا يبحثون عن وعودٍ تُقال في المناسبات، بل عن كرامةٍ تُصان وعدالةٍ تُطبَّق، وعن حقوق المواطنة يجب أن تصان وعن وطنٍ يحتضن أبناءه بدل أن يُرهقهم. او يهمشهم
الشباب الليبي اليوم يعيش واقِعًا صعبًا؛ بطالة متزايدة، أحلام مؤجلة، ومستقبل غامض في بلدٍ غنيٍّ بالثروات وفقيرٍ في الإدارة والإنصاف. ورغم أن هناك من يقول إنهم كسالي لا يرغبون في العمل العضلي أو الذهني، بدليل تواجد الملايين من العمالة الأفريقية والعربية وهي تعمل وتكسب، ولكن البيئة الاجتماعية الليبية تختلف عن عمال دول الجوار، والتي تعتبر الأعمال الميدانية والعضلية والخدمية وخاصة في مجال الفنادق والمقاهي هي وصمة للشاب الليبي.
إنها صرخة وعيٍ ورفضٍ للظلم والفساد، وصوتُ جيلٍ يريد أن يعيش بكرامة لا أن يُساق خلف الشعارات.
فإن لم تُسمَع أصوات الفقراء والشباب اليوم، فسيأتي الغد الذي لا يصمت فيه الجائع، ولا يرضى فيه المظلوم.
إن التحدي الأكبر أمام الشباب الليبي هو ليس البحث عن وظيفة فقط، بل البحث عن معنى للبقاء. جيل كامل نشأ في بيئة مضطربة، لم يرَ استقرارًا حقيقيًا، ولم يلمس نتائج ملموسة لأي وعود سياسية أو خطط حكومية. ومع تكرار الإخفاقات، لم تتآكل الفرص فقط.. بل تآكلت الثقة نفسها وفقدت معناها.
هذا الجيل الجديد لم يعش تجربة “الدولة المستقرة” ليقارن، بل وُلد في قلب التحولات، وترعرع وسط الصراع والانقسام، وتكوّن وعيه على مشاهد متناقضة: خطابات رسمية تتحدث عن البناء، وواقع يومي يعاني من التعثر. ومع الوقت، أصبح الشك هو القاعدة، لا الاستثناء.
إن الثقة، بطبيعتها، لا تُفرض بل تُبنى عبر التجربة. لكنها في ليبيا تعرّضت لتآكل بطيء ومستمر. وبدل أن تكون المؤسسات العامة والخاصة مصدر طمأنينة، أصبحت في نظر كثير من الشباب جزءًا من الأزمة. فلا وضوح في المسار، ولا استقرار في القرارات، ولا عدالة تُشعر الفرد بأن له مكانًا في هذه الدولة حيث أصبح ميزان الإنسان ليستلم حقه في الحياة الكريمة هو الواسطة أو الرشوة أو القبلية للجهة التي تقدم له العمل والاستقرار.
الأخطر أن هذا الذي فقد الثقة لم يتجه نحو الغضب فقط، بل نحو اللامبالاة والسلبية الفارطة.
لم يعد الشباب ينتظرون إصلاحًا، بل يتعاملون مع الأمر الواقع. البعض اختار الهجرة للخارج ليس فقط بحثًا عن فرص أفضل، بل هروبًا من حالة وطن عجز عن احتضانهم، والبعض الآخر انسحب داخليًا، مكتفيًا بالحد الأدنى من التفاعل، وكأن الانتماء نفسه أصبح عبئًا. ولكن من حق الشباب العمل والتوظيف.
عندما تطلع على تقرير سنوي تصدره منظمة الشفافية الدولية بصحة ما نشره مؤشر الشفافية الدولية CPI بأن ليبيا تحتل الترتيب الرابع عالميا والأول عربيا وإفريقيا في مؤشر الفساد المستشري في القطاع العام والخاص!!
هل نضع شباب ليبيا صناع المستقبل أمام وضع شكوي لحقوق الإنسان لتعرضهم للظلم والتهميش والبطالة! وربما في المستقبل سنجدهم يستنجدون بالأمم المتحدة.
شباب يحملون مؤهلات علمية محترمة، منهم من هو عاطل عن العمل ومنهم من يعمل في أعمال لا علاقة لها بتخصصه،
خريجو التخصصات النفطية الذين ضحوا بسنوات طويلة من أعمارهم في الدراسة والبحث والتحصيل العلمي في ظروف صعبة ومعقدة، حلمهم التوظيف والعمل المحترم في دولة تسبح فوق بحيرة من النفط والغاز، وتطل على بحر يمتد حوالي 2000 كيلو متر، وصحراء شاسعة تحمل عشرات من حقول النفط والغاز! لكن هذا الحلم تبخر أمام لوبيات الفساد التي لازالت مستمرة في تدمير الدولة وسرقتها، وحرمان الشباب الليبي من حقوقهم الوطنية المشروعة في الحصول على عمل عام، أو تمويل المشروعات الصغيرة والمتوسطة في هذه الظروف المعقدة، هو إكراه للشباب في وطنهم والغرض منه قتل الروح الوطنية للشباب وإيصالهم إلى مرحلة اليأس والإحباط، وحينها لن يجد الشباب أمامهم إلا طريقين لا ثالث لهما: إما الهجرة ومغادرة البلاد! أو الانخراط في صفوف العاطلين! وهذا يضع الأجهزة الأمنية والعسكرية في الدولة الليبية أمام تحدّ كبير، لنقول لهم انتبهوا إلى الخلايا الإرهابية النائمة المنتشرة في كل الدولة والتي تدفع وبقوة الشباب إلى الانتحار النفسي والعقلي والجسدي!!
لوبيات الفساد المتمثلة في تعيينات الواسطة والقبلية والجهوية والمناطقية، وتوظيف من لا شهادة له المنتشرة في جميع أنحاء البلاد، وعلى رأسها المؤسسات العامة، وهي البؤر الحقيقية التي منها ظهر الفساد المالي والإداري، وانتشر في كل جسم ليبيا المنهكة، وساعد وساهم في تدمير الكثير من مؤسسات الدولة العامة وحتى الخاصة، حتى إن الكثير من الشركات العامة تحولت إلى شركات عائلية لتوظيف أبناء العائلة والقبيلة والمنطقة.
شرعا وقانونا من حق الشباب التعيين في القطاع العام والخاص إذا أثبت جدارته، ويجب اتخاذ إجراءات عاجلة وفورية لحل مشكلة البطالة وتشجيع المبادرات الفردية والجماعية لتنمية القطاع الخاص، بدلا من توظيفات تحت الطاولة والتعينات القبلية والمناطقية والعائلية، ومن لا شهادة لهم، فهم أولى من أولئك الذين يرفضون التقاعد أو ًيتقاضون المرتبات بدون الالتحاق بالعمل!!
إن ما يدور الآن من الاحتكار والفساد ينذر بقيام ثورة الشباب أو عصيان أو انتفاضة تهدف لتطهير البلاد من الفساد، ليس فقط في القطاع العام بل في القطاع الخاص أيضا.
إن البلاد لن تقوم ولن يستقيم حالها إلا بسواعد الشباب المحب للوطن.
نعم وبقوة. من حق الشباب التحرر من البطالة بما يتناسب مع مؤهلاتهم العلمية، وهم ليسوا سببا في تردي الأوضاع الاقتصادية والمالية التي تعاني منها البلاد.



