
* كتبت/ تهاني جبريل كريم،
استيقظتُ ككل صباح، وبعد أداء صلاتي وتجهيز نفسي للخروج إلى العمل.. وبينما أخذتُ أرتب أوراقي، استوقفني بصري عند تلك العبارة التي كتبتها في لحظة صدقٍ مع الذات: “ألا يحق لي أن أعيش كما أريد بمعايير تخترق تلك النظرة الدونية التي ينظر بها مجتمعٌ اعتاد على انتقاد الغير ولو كان على حق؟”..
تأملتُ الغبار الذي علاها، فمسحته برفقٍ وكأنني أمسحُ عن روحي تعب التردد، ثم وضعتها في حقيبتي وانطلقتُ إلى المدرسة، دون أن أعلم أنَّ هذه الكلمات ستكون رفيقتي في طريق المواجهة.
لا تزال تلك العبارة عالقة في رأسي، أرددها طيلة الطريق، وتساؤلاتٌ عديدة تتزاحم في عقلي: هل يجب علينا أن ندفن مشاعرنا إرضاءً لعقولٍ ترغمنا على ذلك؟ وإرضاءً لمجتمعٍ ذي تفكيرٍ قاصر؟ حُكم علينا أن نعيش لأجل إرضائه!
وصلتُ إلى المدرسة ورأسي يضجُّ بتساؤلاتٍ حول ما تحمله هذه العبارة من معانٍ وأوجاع. دخلتُ لأبدأ رحلة عملي الممتعة التي جُبلتُ على حبها، لكنني وأنا أسير في ممراتها، أخذتُ أتذكر بمرارةٍ كم مرة سمعتُ فيها نبذًا لفلانة التي لم تتزوج، وفلانة التي طُلقت، وغيرهن ممن لم يُنجبن، وعن فلانة التي ابتلاها الله بإعاقةٍ فصاروا يتفحصون مشيتها ويُحصون عليها طريقة حديثها وكأنهم يُفتشون في إرادة الخالق، وعن تلك التي وُجدت على باب دار الرعاية لا تعرف أباً ولا أماً، فيصمونها بلقبٍ يُلاحقها كأنه ذنبٌ اقترفته يداها.. وغيرهن الكثير. يا الله، أهكذا يُحرق الناس مشاعر بعضهم دونما مبالاة؟
دخلتُ الفصل وكتبتُ عنوان الدرس بخطٍ واضح: “الإنسان في ميزان المجتمع”. بدأتُ أسرد مواقف من سيرة المصطفى -صـلى الله عليه وسـلم- كيف كان يجبر الخاطر، وينزل إلى مستوى الناس، ويراعي مشاعرهم، ويطبطب على قلوبهم. وفي غمرة شرحي، رفعت إحدى الطالبات يدها وسألتني بعفوية: “أستاذة، وهل المجتمع يزنُ الإنسان حقًا؟”. صمتُّ قليلًا، ثم نظرتُ في عينيها وأجبتُ بيقين: “نعم يا ابنتي، ويزنه بموازين قاصرة. مجتمع يحكم على مطلقة وأرملة وشبابٍ عاشوا في دور الرعاية، وغيرهم.. أنهم لا يستحقون حياة كريمة، وأنهم هم الجناة، إنهم يزنوننا بأهوائهم، لا بقيمنا”.
خرجتُ من الفصل، فرأيتُ معلمتين تتهامسان بنظراتٍ شامتة تجاه زميلةٍ لنا نشأت في دور الرعاية. كانت واقفةً قريباً منهما، وقد غلفت عينيها نظرةٌ حزينةٌ مكسورة، نظرةُ من اعتاد أن يرى القسوة في أعين الآخرين، فباتت ملامحها تحملُ صمتاً موجعاً وكأنها تطلبُ من الأرض أن تبتلعها هرباً من تلك الهمسات. شعرتُ أنَّ هذه هي اللحظة الفاصلة لمواجهة هذا الانزلاق الأخلاقي. اقتربتُ من الزميلة، وضعتُ يدي على كتفها بابتسامةٍ واثقة، ثم التفتُّ إلى المعلمتين وقلتُ بصوتٍ رصين:
”إنَّ ماضي هذه الإنسانة ليست مسؤولةً عنه، والوزر ليس وزرها، وعلينا ألا ننزل خلف ألسنتنا لننهش كرامة الآخرين باسم التقييم. إنَّ تقييم الناس والخوض في حياتهم الخاصة هو انزلاقٌ في الحرام، بينما التمسك بسترهم وجبر خواطرهم هو قمة الإيمان. تذكرن أنَّ الإنسان لا يُجرّم بجرمٍ لم يرتكبه، بل الإنسانُ يُكرّم بما يزرع في الحياة من أخلاق”.
ثم نظرتُ إليهما بعمقٍ وأضفت:
وَمَا التَأنيثُ لاسمِ الشَمسِ عَيبٌ… وَلا التَذكيرُ فَخرٌ لِلهِلالِ
أدرتُ ظهري لهما وأنا موقنةٌ أنَّ المواجهة الراقية هي أقوى سلاحٍ لهدم جدران الجهل، وأنَّ الميزان الحقيقي يظلُّ أسمى مما يزنه الناس.



