اخبارالرئيسيةفي الذاكرة

شراكة التأسيس والبناء: قراءة تاريخية في عمق التحالف الاستراتيجي بين المملكة الليبية وبريطانيا

* كتب/ محمد المهدي زعبية،

شكلت العلاقات بين المملكة الليبية والمملكة المتحدة نموذجاً فريداً للتعاون الدولي في منتصف القرن العشرين، حيث لم تكن مجرد علاقات دبلوماسية عابرة، بل كانت شراكة استراتيجية ساهمت بشكل مباشر في صياغة ملامح الدولة الليبية الحديثة عقب نيل استقلالها في عام 1951.

بدأت بذور هذا التعاون قبل الاستقلال، حين لعبت بريطانيا دوراً محورياً في طرد القوات الإيطالية والألمانية أثناء الحرب العالمية الثانية، وتولت الإدارة العسكرية لإقليمي برقة وطرابلس، مما مهد الطريق لبناء مؤسسات الدولة الوليدة تحت التاج السنوسي.

بلغ هذا التعاون ذروته السياسية والقانونية بتوقيع “معاهدة الصداقة والتحالف” في عام 1953، التي أسست لمرحلة جديدة من التنسيق المشترك استمرت طوال العهد الملكي. نصت هذه المعاهدة، التي كان مقررا لها أن تستمر عشرين عاماً، على تحالف عسكري وتنسيق سياسي وثيق، حيث منحت ليبيا لبريطانيا تسهيلات عسكرية وقواعد استراتيجية، أبرزها قاعدة “العدم” الجوية بالقرب من طبرق، والتي اعتبرت حينها من أهم نقاط الارتكاز للجيش البريطاني في شمال إفريقيا والشرق الأوسط، وفي المقابل تعهدت بريطانيا بالدفاع عن المملكة الليبية ضد أي عدوان خارجي، مما وفر مظلة أمنية ضرورية لدولة ناشئة في محيط إقليمي مضطرب.

لم يقتصر التعاون على الجانب العسكري والأمني، بل امتد ليشمل المجالات الاقتصادية والتنموية بشكل واسع، ففي السنوات الأولى للاستقلال، وقبل اكتشاف النفط، كانت الميزانية الليبية تعتمد بشكل كبير على المساعدات المالية البريطانية التي قُدمت بموجب المعاهدة لدعم العجز المالي وتطوير البنية التحتية، كما ارتبط الدينار الليبي عند إصداره بالجنيه الإسترليني ضمن “منطقة الإسترليني”، مما منح العملة الليبية استقراراً وقوة في الأسواق العالمية. وعلاوة على ذلك، لعبت الشركات البريطانية، وعلى رأسها شركة بريتش بتروليوم، دوراً ريادياً في عمليات استكشاف واستخراج النفط، الذي حول ليبيا لاحقاً إلى واحدة من أهم مصدري الطاقة في العالم.

وعلى الصعيد الإداري والتعليمي، استعانت الحكومة الليبية بالخبرات البريطانية لتأسيس الهيكل الإداري للدولة، وتدريب الكوادر الوطنية، وتنظيم الأجهزة الشرطية والجمركية، حيث ساهم المستشارون البريطانيون في وضع النظم واللوائح التي سيرت عمل الوزارات في تلك الحقبة.

لقد كانت تلك العلاقة تكاملاً وظيفياً يخدم مصالح الطرفين؛ فبينما ضمنت بريطانيا نفوذاً استراتيجياً في جنوب المتوسط، حصلت المملكة الليبية على الموارد والحماية والخبرات اللازمة لبناء الدولة، لتظل تلك الفترة علامة فارقة في تاريخ العلاقات الدولية لليبيا حتى التغيرات الجذرية التي شهدتها البلاد بعد الانقلاب العسكري في عام 1969م.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى