الرئيسيةالراي

رأي- الأنظمة المنتجة للفساد

 * كتب/ يوسف أبوراوي،

كلما ظهرت فضيحة فساد في دولة ما، انصرف النقاش مباشرة إلى سؤال يبدو بديهيا: لماذا يسرق الحكام؟ ولماذا يفسد المسؤولون؟

ورغم أن هذا السؤال مشروع، إلا أنه يخفي افتراضا فلسفيا قلما ننتبه إليه، وهو أن مصدر الفساد هو الفرد. أي أن الفساد يبدأ من ضمير الشخص، وينتهي عند قراره.. لكن ماذا لو كان هذا الافتراض نفسه غير صحيح، أو على الأقل غير كاف لتفسير الظاهرة؟

لعل السؤال الأكثر عمقا هو: كيف تنشأ أنظمة تجعل الفساد النتيجة الطبيعية لعملها؟

إن الفرق بين السؤالين هو الفرق بين التفكير الأخلاقي والتفكير البنيوي.. فالأول يبحث عن الأشخاص الفاسدين، أما الثاني فيبحث عن الأنظمة المنتجة للفساد.. في فلسفة الأنظمة لا ينظر إلى السلوك بوصفه مجرد قرار فردي، وإنما بوصفه نتيجة لبنية النظام.. فكل نظام، مهما كان نوعه، ينتج السلوك الذي تسمح به قواعده الداخلية. فكما ينتج المصنع ما صمم لإنتاجه، كذلك النظام السياسي لا ينتج إلا السلوك الذي تكافئه بنيته..

ومن هنا يصبح الفساد، في كثير من الأحيان، ليس انحرافا عن النظام، بل أحد مخرجاته الطبيعية. إنه خاصية ناشئة تظهر من تفاعل عناصره المتعددة، دون أن تكون موجودة بصورة مستقلة في أي عنصر منها.. عندما تتركز السلطة، وتضعف المؤسسات، وتغيب المساءلة، وتنخفض الشفافية، وتصبح العلاقات الشخصية أقوى من القانون، فإن هذه العوامل لا تعمل منفصلة، بل تتشابك في شبكة يغذي كل عنصر فيها العنصر الآخر، حتى تتكون حلقة تغذية راجعة تعيد إنتاج نفسها بصورة مستمرة.. هنا تظهر واحدة من أكثر المفارقات إثارة للتأمل..

ليس بالضرورة أن يكون كل فرد داخل هذه الشبكة شريرا، أو عديم الضمير، أو حتى محبا للفساد. بل قد يدخلها إنسان نزيه، يحمل قناعات صادقة بالإصلاح، ثم يكتشف أن قواعد اللعبة تكافئ الولاء أكثر مما تكافئ الكفاءة، وتحمي المصالح أكثر مما تحمي القانون، وتجعل النزاهة عبئا بينما تجعل التكيف مع الواقع وسيلة للبقاء.. هنا لا يعود السؤال: لماذا فسد هذا الشخص؟ بل يصبح السؤال: هل كان يستطيع أن يبقى داخل هذه المنظومة دون أن يتكيف مع منطقها؟ وهنا تكمن المفارقة الحقيقية. فالأنظمة المنتجة للفساد لا تجبر الجميع على السرقة، لكنها تجعل الفساد السلوك الأكثر عقلانية، والأقل تكلفة، والأعلى مكافأة. أما النزاهة، فتبقى ممكنة، لكنها تصبح استثناء يدفع صاحبه ثمنا باهظا.. ومع مرور الزمن، لا يعود الفساد مجرد ممارسة، بل يتحول إلى منطق، ثم إلى ثقافة، ثم إلى مؤسسة غير رسمية (Informal Institution)، حتى يصبح جزءا من القواعد الضمنية التي يتعلمها كل من يدخل النظام، دون أن يجدها مكتوبة في أي قانون.

ولهذا، فإن تغيير الأشخاص وحده لا يغير النتائج. فالشخص الجديد لا يدخل إلى فراغ، بل يدخل إلى منظومة من الحوافز، والعلاقات، والتوقعات، والعقوبات، والمكافآت. وما لم تتغير هذه المنظومة، فإنها ستعيد تشكيله كما شكلت من سبقه.. لهذا السبب، كثيرا ما تتغير الحكومات، بينما تبقى أنماط الفساد كما هي. فالوجوه تتبدل، أما البنية فلا تتبدل، ولذلك تستمر النتائج نفسها، وكأن النظام يعيد كتابة القصة ذاتها بأسماء مختلفة..

إن الخطأ الأكبر في فهم الفساد هو اختزاله في أخلاق الأفراد. فالأخلاق قد تفسر لماذا يسرق شخص ولا يسرق آخر في الظروف نفسها، لكنها لا تفسر لماذا تنتج المنظومة السلوك نفسه جيلا بعد جيل.. أما التفسير البنيوي، فينقلنا إلى مستوى أعمق، حيث تصبح القضية ليست فساد الأشخاص، وإنما خصائص النظام نفسه. فالأنظمة، مثل الكائنات الحية، تسعى دائما للحفاظ على ذاتها، وتعيد إنتاج القواعد التي تضمن استمرارها، حتى وإن كان ثمن ذلك إضعاف المجتمع أو تعطيل التنمية أو نشر الفساد.. لهذا، فإن محاربة الفساد لا تبدأ بمطاردة الفاسدين، وإنما بإعادة تصميم النظام (System Redesign). فعندما تتغير قواعد اللعبة، تتغير الحوافز، وعندما تتغير الحوافز، يتغير السلوك، ليس لأن البشر أصبحوا أكثر فضيلة، وإنما لأن النظام أصبح يكافئ الفضيلة بدلا من معاقبتها.

لكل ما سلف، فإن السؤال الأكثر دقة ليس: لماذا يسرق الحكام؟ بل: ما نوع الأنظمة التي تجعل الفساد نتيجة طبيعية، وتجعل النزاهة استثناء؟ فعندما ننتقل من إدانة الأشخاص إلى فهم البنى التي تنتجهم، نكون قد بدأنا أول خطوة في طريق الإصلاح الحقيقي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى