
* كتب/ صلاح الدين عبدالله الجبو،
تشهد الأسواق الدوائية والمستشفيات في ليبيا أزمة غش تجاري وصحي مقلقة وواسعة النطاق، باتت تحصد أرواح المواطنين بشكل يومي. إن هذه الأزمة القاتلة ليست وليدة الصدفة، بل هي نتاج عقود من الفساد والمحسوبية التي تكرست سابقاً، ويغذيها حالياً الانقسام الأمني، وضعف الرقابة، والانهيار المالي والأخلاقي في مرحلة ما بعد ثورة فبراير.
وتُقدّر الجهات الرسمية أن نسبة هائلة من الأدوية المتداولة دخلت البلاد بطرق غير قانونية، في وقت تنتحل فيه عشرات المستشفيات الخاصة والعامة صفة المؤسسات المتقدمة، بينما لا ترتقي خدماتها وتقنياتها إلى مستوى مستوصف قروي بسيط في دول الجوار، ناهيك عن مقارنتها بدول العالم الثالث التي تسير في طريق الازدهار.
أساليب الموت الممنهج نلاحظها عندما تُدار الصيدليات بعقلية تجار السجائر وتتحول المصحات إلى مسالخ بشريّة، وتباع الأدوية بلا مواد فعالة، وتزور صلاحيتها بتواريخ وهمية.
لم تعد مظاهر الغش الصحي والدوائي في ليبيا سراً يخفى على أحد، إذ تتعدد أشكالها وتتنوع لتشمل؛ تقليد العلامات التجارية عبر استيراد عبوات فارغة مطابقة للأصل وتعبئتها بمواد مجهولة المصدر، ثم وضع بيانات شركات عالمية شهيرة لتضليل المرضى. بيع الأدوية المغشوشة وطرح عقاقير خالية تماماً من المواد الفعالة، ولا تحتوي على أي تأثير علاجي (مجرد حشو كيميائي أو نشا)، وأبرزها المضادات الحيوية المزيفة التي تحذر منها منظمة الصحة العالمية باستمرار. تزوير التواريخ وتغيير انتهاء الصلاحية على علب الأدوية الفاسدة لإعادة طرحها في الصيدليات وبيعها للمرضى.
أما المأساة الكبرى فتنكشف في غش أدوية الأورام والأمراض المزمنة. فلا تكفي العائلاتِ الليبيةَ كارثةُ إصابة أحد أفرادها بورم خبيث والتكلفة الباهظة للحصول على العلاج، لتأتي حملات التفتيش الصحي وتضبط أصنافاً مغشوشة مخصصة لعلاج السرطان (مثل سرطان الثدي) وأدوية أطفال تفتقر للمواد الفعالة أو تحتوي على مواد سامة ومعادن ثقيلة.
انفلات مهني خطير: امتد التزوير ليشمل التراخيص والشهادات العلمية؛ حيث ضُبطت صيدليات يديرها أشخاص لا علاقة لهم بمهنة الصيدلة، يتعاملون مع الدواء كأنهم باعة ملابس أو سجائر، دون أي وازع أخلاقي أو مهني.
لا تختلف المصحات والعيادات الخاصة، وحتى المستشفيات العامة، عن هذا المشهد القاتم؛ إذ تفتقر لأدنى معايير التعقيم والنظافة. وتكشف التقارير الرقابية عن انتهاكات جسيمة تؤثر مباشرة على صحة المواطنين، بدءاً من غياب التراخيص والشهادات الصحية، مروراً بتدني مستوى النظافة والالتزام بالاشتراطات البيئية، وصولاً إلى غياب الفنيين المتخصصين والأجهزة الطبية اللازمة للفحوصات المستعجلة، في ظل استغلال مادي صارخ للمريض.
ولعل المثال الأبرز والأكثر قسوة على هذا الانفلات ما أسفرت عنه الحملات الدورية للتفتيش على المصحات الخاصة في مدينة طرابلس خلال شهر يناير من عام 2026.
ففي جولة شملت جهات قضائية وأمنية وهيئات رقابية لإحدى المصحات الخاصة الكبيرة والمعروفة في العاصمة، عُثر على تجاوزات صحية وإنسانية يندى لها الجبين: وجود جثامين أطفال حديثي الولادة محفوظة داخل الثلاجات دون أي سجلات قانونية أو طبية واضحة، أيضا وجدوا أعضاء بشرية في غرف العمليات موضوعة داخل أكياس وملقاة فوق مناضد ملطخة بالدماء، في انتهاك صارخ لكل الإجراءات الطبية والقيم الإنسانية، فضلاً عن غياب التعقيم الكامل في الغرف التي يُفترض أن تكون بيئة معقمة كلياً.
وعلى أثر هذه المعطيات، أمرت النيابة العامة بإغلاق المصحة بالكامل وإحالة ملفها للتحقيق، ونُفّذ القرار بحضور وكيل النيابة وعضو المجلس البلدي المكلف بملف الصحة والجهات الضبطية. لكن الصدمة الكبرى تمثلت في إعادة فتح المبنى نفسه بعد أشهر قليلة كمصحة تحت اسم جديد، لتعلن عن انطلاقتها الطبية وكأن شيئاً لم يكن! وهنا نطرح سؤالاً حتمياً: هل المصحة الجديدة هي ذاتها الكيان المخالف؟ وكيف يُسمح بإعادة تشغيل مبنى شهد هذه الفظائع بمجرد تغيير لافتته التجاريّة؟
أما عن الحملات التفتيشية المستمرة، فلا نكاد نكف يومياً عن قراءة الأخبار عبر الصحف ومنصات التواصل الاجتماعي حول الجهود التي يقودها مركز الرقابة على الأغذية والأدوية، وجهاز الحرس البلدي، والنيابة العامة. وتتوالى العناوين التي تبشر بإغلاق ما بين 50 إلى 70 صيدلية شهرياً، ومداهمة مصانع سرية لتعبئة الأدوية المغشوشة، وتحريك دعاوى عمومية ضد مسؤولين في نقابة الصيادلة ووافدين يتاجرون بالسموم.
لكن السؤال الجوهري يبقى قائماً: أين الردع؟ وكيف نستطيع الثقة في حكومة تعجز عن استئصال شأفة هذا الفساد؟ وما فائدة الإغلاق المؤقت إذا كان المخالف يعود للعمل بعد فترة وجيزة دون عقاب رادع أو تشهير حقيقي؟
أسئلة مشروعة تبحث عن إجابات من الدولة.
إن مواجهة مافيات الدواء والصحة تتطلب خطة وطنية شاملة وحازمة، وليس مجرد حملات موسمية. ومن هنا نطالب الحكومة بالإجابة على الآتي:
لماذا لا يتم نشر أسماء ملاك الصيدليات والمصحات المخالفة والتشهير بهم ليكونوا عبرة لغيرهم؟
أين الإجراءات الصارمة لمنع تدفق الشحنات المغشوشة عبر التهريب و”تجار الشنطة” الذين يعملون خارج القنوات الشرعية لوزارة الصحة؟
متى يتم القضاء على المحسوبية والوساطة في القطاع الصحي والتي يدفع ثمنها المواطن البسيط؟
لماذا تتأخر المخصصات المالية لاستيراد الأدوية الحيوية، مما يفرز نقصاً حاداً يتيح لتجار السوق السوداء ملء الفراغ بسمومهم؟
إن الاكتفاء بالإغلاق دون معاقبة الملاك والمسؤولين بيد من حديد هو تشجيع ضمني على استمرار الجريمة. إننا ننتظر رداً حقيقياً من الدولة، فصحّة الليبيين وحياتهم ليست مجرد سلعة في سوق الغش والمال الحرام.



