اجتماعيالرئيسية

شوارعُ المدينةِ ورائحةُ المطر

 * كتبت/ تهاني جبريل كريم،

الشارعُ يعجُّ بالمارة، وصخبُ السياراتِ، والناس بدأت تدب في كلِّ مكان، ورائحةُ القهوةِ تفوحُ من المقاهي.

كان ذلك الشابُّ في طريقهِ إلى عمله؛ الجوُّ باردٌ، وقطراتُ المطرِ  التي بدأت تتساقطُ مع بزوغِ الفجرِ، أصبحت رائحتها تملأُ المكان. بدت الطريقُ جميلةً مع قطراتِ الماءِ التي تنسابُ على زجاجِ سيارته وتتكاثر؛ كان الجوُّ رائعاً فعلاً، وأخذ يتطلعُ إلى جمالِ الشوارعِ وهي تُغسلُ بماءِ المطر.

​تأملَ في الناسِ، فإذا به يرى هذا يرمي منديلاً، وذاك يُخرجُ يدهُ من النافذةِ ويلقي بعلبةِ ماءٍ، وغيره يرمي أوراقاً. وسطَ هذه الفوضى، لمحت عيناهُ عاملَ النظافةِ وهو يجمعُ تلك النفاياتِ بإصرارٍ، فأحسَّ وكأنهُ يحاولُ أن يحافظَ على جمالِ المنظرِ، ويحمي صفاءَ الصباحِ من عبثِ العابرين.

​وقفَ أمام إشارةِ المرور، وإذا بسيارةٍ تجتازُ الإشارةَ الحمراءَ وتقطعُ الطريق!..

لقد عكَّرت هذه المشاهدُ حلاوةَ الصباح، وحارَ فكرهُ في كلِّ هذه السلبياتِ التي أفسدت عليه جمالَ المطرِ وهو ينسابُ في جوٍّ غائم. وصلَ إلى عمله، وبدأ يلاحظُ المزيدَ من السلبيات: حضورٌ متأخرٌ، وخروجٌ قبل نهايةِ الدوام، فحزَّ ذلك في نفسه، وقال في سرِّه: “ما أكثرَ السلبياتِ في هذا اليوم!”.

​وعندما حان وقتُ الانصرافِ، استقلَّ سيارته وانطلق عائداً إلى البيت، وكان المطرُ يهطلُ بشدة. وفي الطريقِ، لمحَ شيخاً كبيراً في السنِّ يحاولُ عبور الطريقِ بصعوبة؛ توقفَ بجانبهِ فوراً وفتحَ له بابَ السيارةِ ليأخذهُ إلى وجهته. شكرَ الشيخُ الشابَّ على صنيعهِ، وقال له وهو يثني عليه: “بمثلكَ يا بني يُبنى الوطن”. استقرت هذه الكلماتُ في أعماقِ الشاب، وزادتهُ يقيناً بأنَّ الخيرَ -وإن كان يسيراً- هو المعولُ الحقيقيُّ لبناءِ الوطن.

​بعد ذلك، بدأت الطرقُ تغرقُ بالمياه، فتعرقلتِ السياراتُ في السير، وبدأ الناسُ بالتضجرِ وتوجيهِ انتقاداتٍ لاذعةٍ، وكان من بينهم هؤلاء الذين رآهم صباحاً يرمون النفاياتِ في الشوارعِ ويخالفون النظامَ ويتأخرون عن العمل.

​في هذه اللحظة، تبادرَ إلى ذهنه كلُّ ما رآه في اليومِ من مواقفَ سلبيةٍ تدلُّ على عدمِ اهتمامِ المواطنِ بوطنه، وراح يتساءلُ في حرقة: هل المواطنةُ شعاراتٌ نرفعها، أم أفعالٌ نجسدها؟ قد نظنُّ أنَّ هذه السلبياتِ الصغيرةَ التي نرتكبها لا قيمة لها، لكنها في الواقع أسلوبُ حياةٍ غُرِسَ فينا، وسنورثه إلى أجيالٍ قادمةٍ كإرثٍ من اللامبالاة. ألهذا الحدِّ يغفلُ الإنسانُ عن أفعالهِ وينشغلُ بانتقادِ الغير؟ ألا تبدأُ المواطنةُ الحقيقيةُ من ذواتنا، ومن اللحظةِ التي نتحملُ فيها مسؤوليةَ أنفسنا؟

​وصلَ إلى البيتِ بعد يومٍ حافلٍ، ورائحةُ الأمطارِ تعبقُ في المكان، وبقيت تلك التساؤلاتُ عالقةً في ذهنه، كقطراتِ المطرِ التي لا تزالُ تتساقطُ على الزجاجِ، تحملُ معها وعداً بالتغيير.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى