الرئيسيةالراي

رأي- الحروب الأهلية لا تبني الأوطان. وتخلف الانقسام والأحزان..

 * كتب/ خالد الجربوعي،

الدول التي تدخل في حروب أهلية ليس من السهل أن تتعافى، أو تعود إلى سابق عهدها دون دفع ثمن غال جدا، قد يكون حتى جزءا من أراضيها.

طبعا بعد دفع جزء من شبابها ثمنا رخيصا لهذه الحروب التي تمزق أي دولة تكون ملعبا لها، ولنا في التاريخ الحديث الكثير من الأمثلة التي لا تبشر بخير في نهاية حلقاتها..

فمن يوغسلافيا التي نعرف كيف كانت النهاية بعد حروب طاحنة استمرت لسنوات.. ثم العراق التي تستمر فيها هذه الحروب منذ أكثر من 20 سنة دون وجود طريق يؤدي إلى نهاية حتى الآن.. أما الصومال فحدث ولا حرج، فقد تحولت إلى دولة تكاد لا يكون لها وجود على الخارطة السياسية، رغم كل محاولات إعادة الدولة التي طالها الانقسام مؤخرا.. وطبعا لا ننسى الدول الإفريقية المتعددة التي خاضت مثل هذه الحروب، وكم الثمن الذي دفعته، ومنها من لم تحقق الاستقرار الحقيقي حتى اليوم رغم مرور عقود على تلك الحروب..

ثم نأتي إلى المثل الفعلي والأول لهذه الحروب الأهلية في العقود الأخيرة، والتي تحولت إلى مثال يضرب وهي لبنان، هذه الدولة التي فعلت بها الحرب الأهلية ما لم تفعله بغيرها، ورغم استمرار المواجهات المباشرة لحوالي 15 سنة، وما حدث بعد ذلك من اتفاق وتوقيعات ومحاولات إنهاء الصراع وغير ذلك، إلا إنها اليوم بعد مرور أكثر من أربعة عقود على إطلاق أول رصاصة في الحرب إلا أنها لم تستقر وتشعر بالأمان الحقيقي وتكون دولة بمعنى الكلمة، فقد تحولت إلى حلبة صراع لتصفية الحسابات ليس فقط الداخلية بين أبناء الوطن الواحد، بل حتى الصراعات الخارجية خاصة الإقليمية بين عديد الدول المتصارعة في المنطقة وخارجها، دون أن تجد الطريق الحقيقي للوصول إلى دولة لها مكانتها ودورها على الساحة .

هذه أمثلة لدول تحولت إلى ساحات للحروب الأهلية في العقود الأخيرة، وما وصلت إليه حتى اليوم، فهل بعد كل هذه التجارب المتعددة ستكون ليبيا استثناء؟ وبعد كل ما شهدته من قتال بين الإخوة وأبناء الوطن الواحد، وما حدث بها من جرائم ربما لم تشهدها بعض الدول المذكورة سابقا.

قد يقول البعض إن بلادنا غير تلك الدول، وإنها لا توجد بها كذا أو كذا من الطوائف أو العقبات أو غير ذلك من أعذار يتوهمها البعض، ولكن الحقيقة والواقع أثبتا أن ما لدينا من بذور للصراع والقتل ربما يفوق ما لدى تلك الدول، فنحن لدينا من الجهل والأمية، أقصد الأمية السياسية وفي التعامل مع أحداث الشأن العام، وثقافة بناء المجتمعات، وكيف تكون الدول الحقيقية دول المؤسسات والقانون والمواطنة، فهذه أمور تغيب عنا منذ عقود؛ لأننا لم نبن دولة بمعنى الكلمة طيلة تلك العقود لأسباب ليس المجال هنا لذكرها أو الدخول في تفاصيلها وأسبابها ومن وراءها، وهو ما يجعلنا نملك من الجهل والأمية والفراغ الفكري ما لا يملكه أحد، ولدينا من التعنت والعنجهية ما يفوق كل تصور، بل إننا في معاركنا وحروبنا وصراعاتنا الأخيرة استدرجنا حتى الماضي بكل سلبياته، وما به من أحقاد وثارات في هذه المواجهات، وفعّلنا ما يفتح باب الثأر والحقد لعقود طويلة قادمة، بل إن لدينا شيء آخر لا تملكه تلك الدول، وهو من يقود كل هذه الأحداث، فتلك الدول قاد حروبها وانقساماتها أناس يمكن القول إن لهم علاقة بالسياسة، ولهم تاريخ واسم ومكانة في بلدانهم، بل ولهم ما يمكن أن يحولهم إلى قادة حقيقيين لو أنهم تركوا السلاح وانتقلوا إلى السلطة والعمل السياسي الفعلي والحقيقي، ولكن من يقودنا ويقود حروبنا ويجلس على كراسي سلطاتنا أناس فاسدون لا علاقة لهم بالسياسة لا من قريب ولا من بعيد، فمنهم خريجو السجون والمطلوبون للعدالة ومتعاطو المخدرات وسارقو أموال الشعب سابقا وحاليا، ومنهم من لا مكانة له حتى بين أهله أو منطقته، فما بالك على مستوى الوطن، ومنهم المنحرفون وبهم من الصفات ما يجعل الإنسان منبوذا، وهو ما يملكه جل من سيطروا على المشهد العام وقادوا حروبه وجلسوا على كراسي سلطته، فهل بمثل هؤلاء فعلا نطمع منهم أن يحققوا لنا الأمن والأمان والاستقرار وبناء دولة حقيقية، مثل كل دول العالم، مقابل أن يذهبوا في ستين داهية، لا أعتقد ذلك.. أما المجتمع الدولي فكما فعل في تلك الدول، فلا أعتقد انه سيفعل لنا أكثر منها، ويحقق لنا ما عجز عن تحقيقه في تلك البلدان المذكورة وغيرها.

لهذا لا يبقى أمامنا إلا الأمل في الله وحده، فهو فقط من له القدرة على إخراجنا مما نحن فيه بقدرته وقدره، أما غير ذلك فلا نطمع في الوصول إلى ما نريد، على الأقل في المدى المنظور حسب المعطيات والواقع المعاش؛ لأن لكل نتيجة معطيات تسبقها حتى تكون منطقية، ومعطيات الواقع تخبر بنفسها عن نتيجة القادم.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى