
* كتب/ صلاح الدين عبدالله الجبو
تُعدّ عائدات النفط المحرك الرئيسي والعمود الفقري للاقتصاد الليبي، إذ تُشكّل حوالي 98% من إجمالي عائدات الصادرات.
في عام 2025، بلغت عائدات النفط نحو 22 مليار دولار وفقاً لمصادر من منصة “أفريكان إنيتيَاتيف “(African Initiative)، في حين أشار مصرف ليبيا المركزي إلى أن الإيرادات العامة للدولة بلغت قرابة 25 مليار دولار لنفس العام. هذا الاعتماد شبه المطلق على النفط يضع البلاد تحت طائلة ما يُعرف اقتصادياً بـالمرض الهولندي، حيث يؤدي انتعاش قطاع الموارد الطبيعية مثل النفط والغاز إلى إهمال وتدمير القطاعات الإنتاجية الأخرى كالزراعة والصناعة والصيد البحري والخدمات.
ورغم موارد النفط والغاز الضخمة والمستمرة، يعاني الاقتصاد الليبي من استنزاف هيكلي حاد جراء ممارسات غير مشروعة تقودها شبكات مصالح متغلغلة في القطاع المصرفي؛ وتتمثل في تهريب العملة الأجنبية، ومنح الاعتمادات الوهمية، وتهريب الوقود والمواد الغذائية المدعومة إلى دول الجوار، مما كبّد البلاد خسائر بمليارات الدولارات، وعكس سوء إدارة الحكومات المتتالية وتجذر الفساد المالي.
عقب ثورة فبراير، طفت على السطح أشكالٌ جديدة ومتطورة من الاختلاس المنظم للمال العام، تصدرتها الاعتمادات المستندية الوهمية. وتعتمد هذه الحيلة على استغلال الفجوة الكبيرة بين السعر الرسمي للدولار الذي يحدده مصرف ليبيا المركزي، وسعره في السوق الموازية (السوق السوداء).
يقوم بعض التجار الفاسدين، بالتواطؤ مع جهات نافذة داخل المنظومة المصرفية، بطلب اعتمادات مستندية بالدولار بالسعر الرسمي المدعوم تحت ذريعة استيراد سلع أساسية كالأدوية أو المواد الغذائية. لكن في واقع الأمر، إما أن تظل هذه السلع حبراً على ورق ولا تدخل البلاد أساساً، أو يتم شحن حاويات فارغة أو معبأة بـركام أحجار وبضائع تالفة.
والنتيجة؟ يتم تهريب الدولار المدعوم إلى الخارج، أو إعادة بيعه في السوق السوداء المحلية بضعف قيمته، محققين أرباحاً خيالية على حساب الاحتياطي النقدي للدولة.
هذا النزيف المستمر كان سبباً مباشراً في الانهيار المتواصل لقيمة الدينار الليبي وارتفاع معدلات التضخم، مما دفع بالاقتصاد الوطني إلى وضع خطير يهدد برمي الشريحة الأوسع من المواطنين تحت خط الفقر؛ حيث باتت عائلات كثيرة عاجزة عن تأمين المتطلبات الضرورية للحياة من مسكن ورعاية صحية وغذاء.
تلتهم قضايا الفساد المالي، وعلى رأسها الاعتمادات الوهمية والرشاوى، عشرات المليارات من الدولارات سنوياً. وتؤكد تقارير صندوق النقد الدولي والمنظمات الرقابية الدولية أن هذه الأموال المنهوبة هي في الأصل ملك للخزينة العامة، وكان ينبغي استغلالها في إعادة إعمار البنية التحتية المتهالكة وتحسين الخدمات العامة كالكهرباء والصحة والتعليم.
وبينما يتفق أغلب الليبيين على أن الفساد قد دمر مقدرات البلاد، يرى جانب آخر من المحللين أن الفساد ليس الجاني الوحيد، بل هو عَرَضٌ لمرض أكبر يتمثل في الانقسام السياسي والمؤسسي، وغياب سلطة القانون الموحدة، وصراع المجموعات المسلحة على مصادر الثروة.
ولكن الحقيقة المرة التي لا يمكن التغاضي عنها هي أن مليارات الدولارات التي تُسرق سنوياً عبر القطاع المصرفي خلقت عجزاً حاداً في القدرة الشرائية للمواطن البسيط، وحوّلت بلداً يمتلك أكبر احتياطي نفطي في إفريقيا إلى ساحة يعاني فيها أغلب سكانه لتأمين قوت يومهم.



