عمر ربرب**
شاعر مغمور وثق بشعره "خفيف الظل" الحياة الاجتماعية بمصراتة في بدايات القرن العشرين

* كتب/ أحمد نصر،
ما أكثر النماذج الفنية التي ولدت في بلادنا ونمت وترعرعت في خمدت أنفاسها، ولم يبق منها سوى ذلك الإنتاج الفني الذي يتردد لحنا صافيا على شفاه الأجيال يتوارثونه جيلا بعد جيل..
وفي هذه المقالة الموجزة، يطيب لي أن أنتقي نموذجا من تلك النماذج.. فنانا شعبيا مغمورا أقدمه للقراء لأول مرة. شاعرا شعبيا من محافظة مصراتة. كنت أسمع شعره الشعبي على أفواه الرواة منذ طفولتي، وكنت أطرب له كغيري من الناس، لكنني حينئذ ما كنت لأدرك القيمة الفنية أو التاريخية لمثل هذا التراث الشعبي الخالد.
وعندما كنت في المرحلة الجامعية وبحكم انتمائي للدارسات الأدبية وجدتني أفكر في جمع ما أنتجه هذا الشاعر الشعبي ودراسته، غير أنني لم أجد الوقت حينئذ لأتتبع هذا الإنتاج المتناثر على شفاه الرواة، فأرجأت الفكرة حتى أنهيت دراستي. وها أنا أقدم شيئا للقارئ حول “عمر ربرب وشعره”، آملا أن تتاح لي الفرصة أكثر حتى أغطي لهذا الفنان المغمور شيئا من حقه.
وعمر ربرب رجل بسيط ينتمي إلى قبيلة “الذكيران” بمصراتة، عاش فقيرا كادحا يصارع الزمن ويندب حظه التعس، ويعبر عن كل ذلك بشعر شعبي صادق يقطر ألما، يشوبه في كثير من الأحيان شيء من السخرية.
وافاه الأجل –حسب قول أشهر رواته- في أول الثلاثينيات من هذا القرن، ومن هنا يتبين لنا أنه عاصر سنين محنة الحروب الإيطالية، وما تبعها من تشرد وبؤس. ولئن شدّت هذه المحنة وما دار فيها من معارك نضالية غيره من الشعراء الشعبيين، وسيطرت على كل أحاسيسهم حتى لا نكاد نعثر على إنتاج له قيمة يصور لنا جوانب أخرى من الحياة الاجتماعية.
أقول لئن سيطرت المعارك النضالية على الشاعر الشعبي في ليبيا، فإن الحياة الاجتماعية التي صحبت تلك المرحلة هي محور شعر شاعرنا هذا، حتى أننا لا نكاد –حسب ما بيدي من شعره- نرى قصيدة واحدة تتحدث عن الحرب والبطولة، وإن كان لا ينسى في بعض قصائده الضياع والتشرد اللذان جرتهما الحروب..
ومن هنا ندرك أهمية إنتاج عمر ربرب الذي يصور لنا الحياة الاجتماعية التي صحبت الحروب الإيطالية.. هذا المرحلة التي غطت فيها الحروب والمآسي الناشئة من تلك الحروب على الحياة الاجتماعية وما فيها من مشاكل وما انتابتها من أحوال.
في إحدى قصائده يأخذنا الشاعر معه في صراعه من أجل لقمة العيش، حينما يشتري عجلا ليحرث عليه بدلا من حماره الهزيل، فيخيب ظنه في العجل ويعود إلى الحمار، ثم يندب حظه في الحمار والعجل معا.،
يقول:
تركنا ما نبوش اعجول.. خيرهن مقلول.. شقينا وما فيهن محصول..
درت اعجيل وفيه انقان.. وقلت اندير عليه مطيرة
وين روت جيت الغيطان.. ودرت على اكتوفه كنيرة
مرة ايظل يمشي رهوان.. ومرة ايجي ماد الفنطيرة
قتله بره فوت أخطاني.. فيما نرحيك ابقزيرة
والا انبيعك للطليان.. وحقك نشري بيه ابقيرة
سيبت وربط احصاني.. اللي علي امبي لخميرة
وبدّا في المحراث ابقان.. وجايب هذلك التنفيرة
وزهى في العين وواتاني.. ايفرعس في تفرعيس خيره
قتله تاريتك دندان.. خير من ميزانك بالليرة
قالي ساعدني تلقاني.. خير من عجلك وتسهديره
سرحني من البال انساني.. واعمل عالناس تدهويرة
اعمل دورة عالجيران.. واللي يعطي كثر خيره
والناس حرثوا معاي سواني.. وأنا حابس في احويكيرة
نلقاه أن الوكر جفاني.. نبي نجلا واندور غيره
انخش تال الغرب الجوان.. والا نعمد “واو حريرة”
في الدنيا غايب زهواني.. يا نا اللي من هول الهول.
تركنا ما نبوش اعجول.. خيرهن مقلول.. شقينا ومافيهن محصول.
والحصان الذي يعنيه الشاعر في هذه الأبيات هو حماره الهزيل، وإنما دعاه حصانا من باب السخرية والاستهزاء.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
** هذا المقال كتب في العام 1968 وهذه أول مرة ينشر فيها



