

* كتب/ أبوبكر الهاشمي بن سليمان،
يمر مصرف ليبيا المركزي بظروف غير طبيعية، ويخوض تجربة لا يمكن أن يتمنى سواه من المصارف المركزية خوضها، تتمثل هذه الظروف الصعبة في:
- إنفاق عام منفلت أو غير منضبط يؤدي إلى:
- حدوث فجوة مالية يجب سدها
- توجيه الموارد الاقتصادية نحو قطاعات غير منتجة
- تدرج في ارتفاع للأسعار، قد يصل إلى حد ما يعرف بالتضخم الجامح
وباختصار يؤدي الإنفاق العام غير المنضبط حتما إلى اقتصاد كارثي.
- في مقابل ذلك، هناك طموح غير محدود وسعي محموم للمصرف المركزي لمواجهة كافة المشاكل الاقتصادية والتي قد يكون بعضها في الأساس، من اختصاصات مؤسسات اقتصادية أخرى للدولة غير المصرف المركزي، كل ذلك لتحقيق هدف إتاحة الفرصة بشكل كامل للجميع لنيل الدولار.
وعلى الرغم من أن المصرف المركزي قد أفلح إلى حد ما في معالجة مشكلة شح السيولة، ونجح إلى حد كبير في تسهيل عمليات التبادل التجاري بين الوحدات الاقتصادية المختلفة من خلال تطويره للخدمات المصرفية وتحويلها إلى النظام الإلكتروني، إلا أن جهوده لمعالجة التشوهات في سوق الصرف الأجنبي (أي في تضييق الفجوة أو الهوة بين السعر الرسمي للدولار وسعره في السوق الموازية)، قد جانبه الصواب فيما اتخذه من إجراءات قد تأتي بنتائج عكسية، ويأتي اعتقادنا هذا من خلال الواقع المعاش للوضع السياسي والاقتصادي الليبي.
فكيف يتم فتح باب منح الدولار على مصراعيه في بلد:
- غير مستقر سياسيا؟
- إنفاقه العام منفلت أو غير منضبط؟
- النفط مصدره الوحيد للدخل وعصب الحياة الاقتصادية فيه؟
- يحتل المرتبة (173) من أصل (180) دولة، وفقا لتقرير منظمة الشفافية الدولية لسنة 2024، حيث يتصدر التقرير الدول الأقل فسادا وفي مؤخرته الدول الأكثر فسادا، ليعكس ذلك مدى انتشار الفساد في الدولة؟
- أكبر نسبة لمكون محلي لسلع يقال إنها منتجة محليا، لا تتجاوز نسبة (10%)، ليعكس ذلك مدى الاعتماد الكلي على الاستيراد؟
- عند غياب بعض منتجي أحد المصانع لسبب من الأسباب يزيد الإنتاج، ليعكس ذلك واقع البطالة المقنعة في القطاع العام؟
إن فتح باب منح الدولار على مصراعيه دون تنوع مصادر الدخل، حتما يؤدي إلى نضوب الاحتياطي، وما يصاحبه من عدم استقرار لسعر الصرف الأجنبي، خاصة إذا ما أخذنا في الاعتبار ما قد يتعرض له النفط من تقلبات في أسعاره العالمية، ناهيك عن التحديات المحلية من إغلاقات لحقول النفط وما في حكمها.
فلا بد أولا من استغلال ثروة النفط، للاستثمار في قطاعات اقتصادية متنوعة، كالسياحة والزراعة وتطوير الخدمات المختلفة، للحصول على مصادر دخل متنوعة ومتعددة، حتى نضمن استدامة لتدفق النقد الأجنبي، عندئذ وعندئذ فقط، يمكن فتح باب منح الدولار على مصراعيه.
وباعتبار المصرف المركزي مسؤول عن تنفيذ السياسة النقدية، ومسؤول بدوره عن إدارة الاحتياطيات ومراقبة الصرف الأجنبي، ومسؤوليته أيضا للحفاظ على سلامة النظام النقدي، وكذلك دوره في التنمية الاقتصادية باعتباره المستشار الاقتصادي للدولة، ومنعا لمزيد من الانهيارات للعملة المحلية التي يبدو أنها تتعرض للمضاربة، عليه لابد من اتخاذ خطوات ضرورية لدعم قوة الدينار، من هذه الخطوات ما يقع ضمن اختصاصات المصرف المركزي، ومنها ما يتصل بمؤسسات اقتصادية أخرى للدولة غير المصرف المركزي.
فيما يتعلق باختصاصات المصرف المركزي، يمكن اتخاذ الإجراءات الآتية:
- ضبط استخدامات النقد الأجنبي والحد من منحه، إلا في أضيق الحدود وللصالح العام، فالطلب على النقد الأجنبي في ظل الظروف السياسية والاقتصادية المعاشة غير محدود ولا نهائي، مقابل عرض من النقد الأجنبي محدود ومحدود جدا، ومن المتوقع أن يكون هناك (نهم) في الطلب على النقد الأجنبي حتى مع ارتفاع سعر صرفه.
- عدم التماهي مع القرارات الاقتصادية غير الرشيدة التي تؤدي إلى نتائج عكس ما يسعى إليه المصرف المركزي، والالتزام فقط بتنفيذ ما خوله القانون المصارف وتعديلاته.
- من الأمور الحيوية والمهمة لبناء الثقة والشفافية، إحاطة الجمهور بما يجري في اجتماعات مجلس الإدارة وكل اجتماعات اللجان ذات العلاقة، فذلك يزيد من الثقة لصانعي القرار ويمنع ويحد من انتشار الشائعات.
- أهمية مراجعة المصرف المركزي لنتائج ما يتخذه من خطوات مع نهاية فترات زمنية معينة، وعلى ضوء تلك النتائج، يتم رسم خارطة طريق لفترات زمنية قادمة.
- التعاون والاستفادة من مقترحات مراكز الدراسات والمنتديات الاقتصادية، وكذا تجارب الدول في هذا الشأن، ناهيك عن التعاون مع المؤسسات النقدية الدولية.
- أن تكون هناك إدارة قائمة بذاتها للرقابة على النقد، تنظم سوق الصرافة، تمنح تراخيص المزاولة لمكاتب الصرافة ومكافحة المضاربة على العملة.
ما يتصل من اختصاصات مؤسسات الدولة غير المصرف المركزي، يجب أن تنسق هذه المؤسسات مع المصرف المركزي فيما تتخذه من إجراءات ذات علاقة، كذلك أهمية تعاون المصرف المركزي مع الجهات الأمنية وما قد تقدمه من دور فعال، وفي هذا الشأن يذكر أنه في تسعينيات القرن الماضي، تم ملاحظة نقص متزايد في العملة المعدنية المتبادلة، والتي اتضح فيما بعد أنه يتم تهريبها عبر الحدود للاستفادة من قيمتها السوقية بعد أن أصبحت قيمتها السوقية مجتمعة كمعدن بعد صهرها أكبر من قيمتها الذاتية.
ورغم الاقتناع بالدور الاقتصادي الفعال للقطاع الخاص، إلا أنه يحتاج إلى بيئة اقتصادية صحية حتى يؤدي دوره الاقتصادي على أكمل وجه وهذا خلاف ما هو سائد حاليا، لذلك قد لا يتم اقتراح احتكار الدولة لعمليات الاستيراد رغم أهميته، ولكن يجب التأكيد على ضرورة دور المراقبة والإشراف الفعال لمؤسسات الدولة ذات العلاقة، فالمراقبة الحكومية تعد على قدر كبير من الأهمية، لحماية الاقتصاد والمستهلك وتمنع التجاوزات، ناهيك عن ضمان تحصيل الإيرادات الجمركية التي تعتبر مصدرا لا بأس به كمكون لإيرادات الدولة.
أخيرا، حتى تؤتي زيادة المرتبات أكلها يجب ربطها بزيادة الإنتاج ويجب أن تكون ضمن خطة اقتصادية متكاملة، من استثمارات في العنصر البشري عبر تطوير المهارات والتدريب والتعليم، فزيادة المرتبات منفصلة، لا يمكن أن تحسن نوعية حياة المواطن، فهي زيادة إسمية وهمية، كالضريع الذي لا يسمن ولا يغني من جوع، وستكون تكاليفها باهظة، كأن يعقبها تضخم جامع، وما أدراك ما التضخم الجامح، التضخم التي تشهد فيه أسعار السلع والخدمات ارتفاعات حادة وسريعة تخرج عن السيطرة ويشهد فيه الاقتصاد هروب رؤوس الأموال عبر الحدود للدول المجاورة وغير المجاورة، لاقتناء أصول حقيقية كالذهب والعقارات وما في حكمها، هروبا من حقيقة فقدان العملة المحلية لقيمتها الحقيقية.



