الرئيسيةثقافة

في مَجلِسِ صِدق..

* كتب/ عبدالوهاب الحداد، 

كانت طرقتان على زجاج نافذته كافيتين للاستئذان بالدخول، دلفنا عبر الباب الموارب المطل على الشارع، ومنه إلى باب محرابه، لمحناه ساجدًا. خلعنا نعالنا وولجنا صامتين.

جلسنا على أريكته في زاوية المربوعة المستطيلة. تقابلنا أرفف كتبه تحتل أربعة جدران وتطاول السقف. على يميننا طاولة تعلوها سهّارة صغيرة، ترسل بقعة ضوء حانية على أوراق مبعثرة بن كتابة وخربشات، علمنا أنها مسودة مقدمة لطبعة ثانية من كتاب نادر، ألّفه قبل عقود عن صرح مغدور.

سلّم، معلنًا تمام صلته مع الخالق، والتفت نحو المخلوقين الجالسين عن يساره، ألقينا السلام. رد سلامنا وهو يتناول نظارته فتبيّنت له رؤيتنا، عرفنا، ابتسم لنا كطفل تجاوز الثمانين ولم يسأم. بذات تواضعه وتبسطه ووداعته، أهلّ بنا وسهّل.

كان يرتدي روبًا شتويًا فوق قميصه الطويل، يلف شالًا حول عنقه، ويعتمر شنّة سوداء عتيقة. لا أدري لماذا خطر ببالي لحظتها عقّاد مصر، ملامح كثيرة كانت تتقاطع، لولا ظلم الجغرافيا، وقسوة الديموجرافيا.

بدأ الحديث يدور، وليته ما توقف، كانت ليلة مايو تلك لحظة مسروقة من طاحونة الاعتياد. إلا أن الله ألهمني أول دخولنا قفل الشبكة، وأضغط زر التسجيل وأضع الهاتف أمامه، لأظفر في نهايتها بعصارة ذاكرة مثقلة بما لن تسعه ذاكرتي المحدودة.

ساعتان.. كل ما سمعته جديد، رغم قدمه وقدره، كنت أهز ذاكرته، فتتساقط كنوز الماضي الخفية. تنقل بنا بين التاريخ والأدب، الشعر والصحافة، بين قرى المدينة ومعالمها وأسماء رجالها.

كعادته في الحديث، هدوء يريح قلب السامع وروح المنصت. لاحظت أنني أقاطعه كلما استعجلني الفضول، فيصمت بأدب يخجلني، يترك لي مساحة للثرثرة، ثم لا يعود إلى خيط حديثه إلا إذا أعدتُه إليه. هذا الرجل يهذّبنا حتى بصمته.

وأخيرًا.. عدنا منه، لا كما أتيناه فارغين، فبين أيدينا “نصوص على الصفحة البيضاء”، و”أينك أمي؟” و “في زمن الحرب” و “عن الكعب العالي”. خرجنا وفي ذاكرتنا جزء نفيس من ذكرياته، وفي هاتفي حوار ساعتين في مجلس صدق عند سيدي الأديب “أحمد بن نصر” ليلة الثلاثاء، الثامن عشر من ذي القعدة، سنة سبع وأربعين وأربعمائة وألف للهجرة.

..المشرف

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى