الرئيسيةالراي

رأي- التاريخ بين الحقيقة الاسطورة..!

* كتب/ خالد الجربوعي،

التاريخ هو ما يسجل لنا أحداث الماضي القريب والبعيد، ويقدمها لنا لنعرف ما حدث فيها وما كان من فعل وعمل، وما انتهت إليه من نتائج.. لكن هل كل ما ينقله لنا التاريخ قديما وحديثا هو فعلا حقيقة حدثت على أرض الواقع؟ حقيقة مطلقة لا يجب مناقشتها أو رفضها أو الطعن فيها، أم أنه ينقل أحداثا مختلطة تحمل الكثير من الاختلاف والخلاف حسب ناقليها ودورهم فيها وعلاقتهم بها ورؤيتهم لها؟

لأنه ونحن في عصر التكنولوجيا والتطور والصورة والتسجيل والنقل المباشر للأحداث لا تقدم الحقيقة كاملة، ولا نعرف الكثير من الأحداث وحقيقتها، رغم أنها تحدث من حولنا ونعيشها واقعا، وأحيانا نكون جزءا منها.. لذلك هل يمكن أن نصدق كل ما نقله لنا التاريخ في أزمنة غابرة كانت وسيلة النقل الوحيدة له هي الكلام الشفوي وما ينقله الرواة، رغم ما يمكن أن يعانيه البشر ومن بينهم ناقلو الأحدث من نسيان وتغيير للأحداث، حسب الموقف منها أو علاقتهم بها وبشخوصها.

فإذا كنا مثلا لا نعرف حتى اليوم حقيقة ما حدث في 2011 فيما عرف بالربيع العربي فعلا، وهل هو ثورة شعوب أم مؤامرة غربية كما يريدها كل طرف حسب الموقف منها.. وإذا كنا لا نعرف كيف سقط الاتحاد السوفيتي فعلا ومن وراء ذلك السقوط وتفاصيله.. ولا نعرف من قتل الرئيس الأمريكي جون كينيدي رغم أن مشاهد الاغتيال مصورة كاملة.. ومازلنا لا نعرف حقيقة وتفاصيل ما حدث في مجزرة أبوسليم رغم وجود الكثير ممن عاصرها، بل حتى من كان وراء ارتكابها أو شارك فيها بطريقة أو بأخرى.. ولا نعرف ما حدث في جريمة ومجزرة المدينة الرياضية بطرابلس أثناء إحدى المباريات في 1996م، وذهب ضحيتها حوالي 30 مواطنا، وغيرها الكثير من أحداث عالمية ومحلية..

فهل حقا سنعرف ما حدث من أحداث بكل تفاصيلها منذ مائات بل وآلاف السنين؟ وإن كل ما ينقل إلينا من تلك الأزمنة والعهود من تاريخ وأفعال وأقوال هو حقيقة دامغة لا نقاش فيها في كل المجالات السياسية والدينية والثقافية والاقتصادية، وغيرها من بطولات وأبطال مما أصبح جزءا من التاريخ تنقله الكتب ويتحدث عنه المؤرخون ويتصارع حوله وحول حقيقته المتصارعون كُل حسب أهوائه وموقفه من الحدث ومدى دعمه لأي شخوصه أو أبطاله.

إذا التاريخ يبقى في جله تقريبا مجرد قصص وأساطير وأحداث لا نعرف مدى مصداقيتها من عدمها، ندرسها ونقرأها حاضرا لعلنا نستفيد منها ومما تقدمه من عبر ودورس للمستقبل، أيا كانت حقيقتها من عدمها.

فالتاريخ بشكل عام يبقى في كثير من أحداثه مجرد أساطير وحكاوٍ يكتبها أصحابها حسب وجهات نظرهم ومواقفهم من أحداثها، وفي أكثر الأحيان يكتبه المنتصر وصاحب الكلمة والسلطة.. فإن كان ما نعيشه اليوم لا نعرف حقيقته الكاملة والفعلية فكيف بما مر عليه عقود وقرون من الزمن وتنقل عبر الألسن والأحاديث وجلسات السمر.

فمثلا في ليبيا تتطلب تاريخ مرحلة الاحتلال الإيطالي الكثير من التدقيق والبحث والحيادية، التي يبدو أنها مفقودة في جل ما كتب حتى الآن، فلقد كان للتعصب الجهوي والقبلي والعاطفة ومحاولة كسب قبائل دون غيرها حسب الحاكم والنظام القائم جزء كبير في كيفية كتابة هذا التاريخ، إلى حد كبير.. فالحقيقة أقسى وأقوى مما قد نتصور، وقد تسقط الكثير من عليائه وتجعل أكثرهم يخجلون من أفعالهم وأفعال آبائهم وأجدادهم وقبائلهم التي يفخرون بها اليوم، أفرادا وجماعات ومدنا وقبائل والعكس صحيح.. بل حتى ما يقدم في كثير من الأحيان عبر المسلسلات والأفلام حول أحداث تاريخية لا يجب الأخذ بما تقدمه على أنه تاريخ حقيقي لا جدال فيه، فهو يبقى نقلا لرؤية من يكتبه ومن ينتجه حول هذا التاريخ والحدث، وما يريده من ورائه.. لهذا لا يمكن لمسلسل ما أو فيلم سينمائي كتب في ظروف معينة ولأسباب تخص من قام به أن يكون وثيقة تاريخية يمكن الاعتماد عليها واعتبارها نهاية التاريخ.. فشاهدوا المسلسل واستمتعوا بالفيلم باعتبارهما نوعا من الدراما كأي مسلسل تلفزيوني أو فيلم سينمائي يمر وتنتهي أحداثه بنهاية آخر حلقة والسلام..

فإذا كنا ونحن نعيش زمن المعلومة وانتشارها وتنقلها عبر العالم في لحظة، ونعيش في زمن الشفافية كما يفترض حيث لا يجب إخفاء المعلومة أو منعها عن أحد، ونعيش زمن الفضاء المفتوح إعلاميا وتكنولوجيا، حيث أصبح من السهل نقل الحدث مباشرة من مكان وقوعه ومتابعته من أقصى الأرض إلى أقصاها، إلى آخر ما له علاقة بنقل المعلومة وتعميمها، بل ونشاهدها مباشرة، ورغم كل هذا نعاني من عدم معرفة الحقيقة الفعلية لكل الأحداث التي نعيشها بكل تفاصيلها ودون تزوير أو تحوير أو تغيير، فهذا أصعب ما يمكن الحصول عليه لمن يبحث عن الحقيقة.. حتى إننا نجد كثيرا من الأفعال والجرائم والأحداث سواء التي تخص الأفراد أو الجماعات أو حتى الدول لا يعرف من يقف وراءها، ولا أسباب حدوثها الحقيقية ولا إلى أين يمكن أن تصل وكيف ستكون نهايتها.

والجرائم والأحدث التي مازال العالم لا يعرف حقيقتها ولا حقيقة من ارتكبها كثيرة، رغم مرور العقود والسنوات الطويلة، ورغم كل الاعترافات، إلا أن الحقيقة تبقى هي الأمر الوحيد الغائب عن كل ما يحدث.

هذا ونحن نعيش الأحداث ونشاهدها بأعيننا، فكيف الحال لأحداث نقلت عبر العقود والقرون بل ومئات وآلاف القرون، ولم يتم لا نقلها ولا تصويرها، فقط مجرد نقل شفاهي من قبل أشخاص كلا حسب موقفه منها أو دوره فيها وعلاقته بها وبأصحابها أو أبطالها عر التاريخ، وطبعا كل هذه الأحداث نقلت عبر أجيال، ومن جيل إلى آخر، وكل جيل يضيف إليها أو ينقص منها عمدا أو سهوا أو نسيانا، أو لأي سبب، المهم أن تصل إلى الذي بعده حسب ما يراه هو وما يريده أن يكون.. بعد كل هذا هل يمكن أن يكون كل ما نقل عبر التاريخ من أحداث وأسماء شخصيات وحتى بطولات وكل ما له علاقة بالتاريخ حقيقة يمكن أن نصدقها ونتعامل مع التاريخ من خلالها على أنها أمر مسلّم به لا يجب أن نطعن فيه وفي أحداث وتفاصيل ما ينقل عبره.. أم أنها لا تعدو كونها -أو جلها على الأقل- مجرد أساطير تنقل من أجل أهداف وأسباب لها ما لها وعليها ما عليها، وحتى إن كان جزءا منها حقيقة، فإن تفاصيلها تبقى مجرد وهم واختراعات ممن نقلوها عبر التاريخ كلا حسب طريقته ومصلحته فيها.

إن ما يحدث اليوم يؤكد أن ما نقل عبر التاريخ لا يجب التعامل معه أو على الأقل مع جله على أنه حقيقة مسلم بها، خاصة في التفاصيل التي قد تتعارض في كثير من الأحيان مع المنطق وما يقبله العقل، ولهذا يمكن القول أن التاريخ يبقى في كثير من أحداثه مجرد أساطير وأخبار تناقلتها الأجيال من أجل أهداف ومطالب، آخر ما يكون هدفها هو نقل الحقيقة المجردة أو توثيق ما حدث فعلا، ولكن تبقى مجرد جزء من الحياة يمكن الاستمتاع به من خلال سردها أو قراءتها أو تتبع أحداثها، ولكن لا يجب التسليم بأنها الحقيقة المطلقة التي لا نقاش فيها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى