الرئيسيةالراي

رأي- أما بعد،

* كتب/ محمد مليطان،

بُنوك أوروبا وأمريكا لم تعد —ولن تعود— ملاذًا آمنًا للأموال المنهوبة. العالم يدخل مرحلة تعبئة شاملة، لا تعترف بالخصوصيات ولا تحترم “السرقات الذكية”.

دول كبرى بدأت بالفعل في إعداد شعوبها نفسيًا وقانونيًا للتخلي عن الممتلكات والمدخرات تحت عناوين الأمن القومي، وتمويل الجيوش، واستحقاقات الحرب القادمة.

وحين تبدأ الدول الكبرى في أكل مخزونها الداخلي، فلن تتردد لحظة في مصادرة الأموال المشبوهة، ولن تحمي حسابات أُنشئت بأسماء وهمية ولا شركات واجهة ولا جنسيات مشتراة بمزاد سخيف.

اللصوص الذين سرقوا ليبيا لم يهنأوا بما نهبوه يومًا، ولم يعيشوا لحظة طمأنينة حقيقية، ولن يُكتب لهم أن يهنؤوا بها في عواصم الغرب.

أسوأ ما في قصتهم أنهم خسروا الوطن، ولم يكسبوا العالم؛ خسروا الداخل، وخاب ظنهم بالخارج؛ وهم في هذه اللحظة التاريخية أمام الخذلان من كل الجهات، وانقطعت أمامهم طرق النجاة واحدة تلو الأخرى.

الصراع الجاري على السلطة ليس صراع دولة، بل صراع خوف.

انشغالكم بصناعة الحيل، وإعادة تدوير الكيانات، وشراء الوقت بأي ثمن، جعل مواقعكم مكشوفة أكثر من أي وقت مضى.

أنتم اليوم بلا عمق شعبي حقيقي، وبلا قدرة عسكرية ذاتية، وبلا حلفاء مستعدين لدفع ثمن الدفاع عنكم عند أول اختبار جدي.

لا تستطيعون أن تكونوا طرفًا ندّيًا في تحالفات إقليمية أو دولية، لأنكم ببساطة عبءٌ لا أصل له.

وفي المقابل، لا تملكون ما يقيكم من انفجار غضب شعبي، إذا ما تزامنت الفوضى الداخلية مع حرب عالمية أو إقليمية تُسقط الأقنعة، وتُسقِط معها كل “الشرعيات الورقية” التي تحتمون بها اليوم.

وحين تتشقق الدولة وتضيع البوصلة، لا يُحاسَب الفاسدون بالقوانين، بل بالغريزة الجماعية للانتقام.

وعندها لن تكون الشرعية التي ترفعونها درعًا لكم، بل ستكون وصمة، ودليل اتهام، ومبررًا كافيًا لأن يُفتح عليكم باب الحساب من أقرب الناس مسافةً حولكم، قبل الخصوم البعيدين.

افهموا هذه الحقيقة القاسية جيدًا:

الغرب لا يحمي إلا من يخدمه، ولا يحترم إلا من يملك وزنًا حقيقيًا، ولا يتذكر الفاسدين إلا حين يحين وقت التخلص منهم.

وحين تُعاد صياغة النظام الدولي بالقوة، تُرمى الأدوات القديمة في أقرب سلة مهملات سياسية وأمنية.

نداء أخير— وربما الأخير فعلًا:

تخلّوا عن مواقعكم في أقرب محطة ممكنة.

انزلوا قبل أن تكتشفوا أنكم لستم داخل مؤسسات، بل داخل قطار موت منطلق بلا مكابح؛

قطار لا تحميه قبب برلمانية، ولا منصات شرعية، ولا ألقاب شرفية، ولا بيانات مطبوعة بعناية.

ما تبقى لكم اليوم ليس سلطة، بل مهلة قصيرة…

ومن يفشل في قراءة لحظة التحول الكبرى، لا يُقصى سياسيًا فقط، بل يُسحق تاريخيًا.

هذه ليست تهديدات،

ولا خطابة انفعالية،

بل قراءة باردة لمسار دموي قادم.

وأقولها بوضوح لا يحتمل التأويل:

من بقي متمسكًا بمقعده اليوم، قد لا يجد غدًا مقعدًا ولا مخرجًا.

وهذه كلمة ناصح أخير… قبل أن يُغلق الباب.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى