
الناس-
أعربت المبعوثة الأممية إلى ليبيا “هانا تيتيه” عن قلقها من أن التقدم في العملية السياسية ما يزال مشوبا بالهشاشة، مؤكدة على عدم تفويت الفرصة السانحة.
وأوضحت في إحاطتها أمام مجلس الأمن الخميس (18 يونيو 2026م) أن الزخم السياسي يواجه موجة متنامية من انتشار المعلومات المضللة والمغلوطة وخطاب الكراهية والتحريض ضد اللاجئين والمهاجرين والعاملين في مجال الإغاثة الإنسانية ووكالات الأمم المتحدة في ليبيا وموظفيها. الأمر الذي خلق تهديدات وعنفا ضد العاملين ضدهم.

ووافقت تيتيه على أن ملف الهجرة يسبب قلقا مشروعا، داعية إلى معالجته بناء على الحقائق بدلا من السرديات القائمة على التزييف والتأليب، مغتنمة الفرصة لتوضيح أن بعثتها ليست معنية بإعادة توطين المهاجرين في البلاد.
وأردفت بأن التحديات تتطلب قيادة مسؤولة ومؤسسات موحدة فاعلة تحظى بدعم شعبي وولاية سياسية واضحة. معتبرة أن إحراز تقدم في خارطة الطريق هو السبيل الأسلم لبناء مستقبل أكثر استقرارا.
الحوار المهيكل والتوصيات الـ(600)
تحدثت المبعوثة عن إطلاق الحوار المهيكل في ديسمبر 2025م، كيف اختتم في 7 يونيو 2026م، بعد انعقاد 18 جلسة إلى جانب جلسات عبر التواصل المرئي. وخرج أخيرا بما يقارب (600) توصية.
ودخلت إلى صلب الموضوع: “التوصيات تدعو إلى استعادة مؤسسات الدولة الموحدة والفاعلة والشرعية والمسؤولة، وتشدد على ضرورة تعزيز سيادة القانون بما في ذلك استقلال القضاء وتعالج قضايا ذات صلة بالعدالة الانتقالية والحريات الأساسية واللامركزية وحوكمة تتسم بقدر أكبر من التماسك والشمول. وتدعو أيضاً إلى اتخاذ تدابير لمعالجة التشوهات الاقتصادية والحرص على قدر أكبر من الشفافية والمساءلة في إدارة الموارد العامة وتنفيذ سياسات تعزز الاستقرار الاقتصادي والتنوع في الاقتصاد وفي الوقت نفسه تحرص على العدالة في التنمية”.
وأضافت: “وتتناول التوصيات الشمول الهادف لجميع الليبيين، في صنع القرارات مع التشديد على التمثيل العادل والتوزيع المنصف للموارد والخدمات والفرص في عموم البلاد”.
الاجتماع المصغر
في محور آخر تحدثت تيتيه عن مواصلة ما أسمته “الاجتماع المصغر” بالتوازي مع اختتام الحوار المهيكل، هذا الاجتماع يضم ممثلين عن الحكومة وقيادة الرجمة. كما يضم أعضاء من مجلسي النواب والدولة. لغايتي: أولاهما إعادة تشكيل مجلس المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، والثانية الاتفاق على القضايا المختلف عليها المتعلقة بالإطار القانوني الانتخابي. وهما قضيتين لم يتمكن المجلسين من حلهما من قبل.
التنمية الموحد يحتاج لترجمة
وفي الملف الاقتصادي أوضحت المبعوثة الأممية أنه يشكل تهديداً كبيراً لاستقرار البلاد، موضحة أن “ارتفاع الأسعار وتدهور القدرة الشرائية يُثقل كاهل الأسر ويؤثر على تقديم الخدمات الاجتماعية في جميع أنحاء البلاد”. داعية إلى ترجمة برنامج التنمية الموحدة والميزانية الموحدة إلى إجراءات.
وأشادت بخطوة عقد اجتماع اللجنة الفنية المشتركة ضمن برنامج التنمية الموحد لتنفيذ إطار الإنفاق الموحد لعام 2026، كما أشادت بخطوة مصرف ليبيا المركزي في توسيع إمكانية الحصول على العملات الأجنبية عبر القنوات الرسمية، وتعزيز الرقابة. لضمان إصلاح حقيقي.
كيف تفاقمت أزمة نقص الوقود والدواء؟
وأشارت الإحاطة إلى أزمات نقص الوقود في أبريل ومايو، بسبب الشبكات المغلغلة التي تقوم بتهريب الوقود والمدعومة من خارج البلاد.
كما أشارت إلى تقارير ديوان المحاسبة والهيئة الوطنية لمكافحة الفساد الصادرين في يونيو، لتدلل على حجم استغلال الدعم الحكومي للوقود والأدوية. وبلغة الأرقام فقد ارتفع استهلاك البنزين من قبل أجهزة الأمن العام بين 2021- 2024 بنسبة (621%)، وبنسبة (1527%) للديزل من قبل الرجمة. وبنسبة (203%) في قطاع الكهرباء. وأكثر في مجالات أخرى.
ووصفت الإحاطة ما يحدث في ملف الأدوية بالفساد الممنهج، المقترن بامتلاك مسؤولين حكوميين لحصص في شركات الأدوية. ما أدى إلى نمو في تمويل واردات الشركات بنسبة تتجاوز (1300%). وهو ما يتجاوز بكثير معدل النمو الطبيعي للقطاع- تقول.
تجدد العنف في الزاوية
وأبرزت “تيتيه” تجدد العنف في الزاوية ضمن تناولها للجانب الأمني في البلاد، حيث أدت اشتباكات 8 مايو عن مقتل (13) شخصا وإصابات لعدد آخر بينهم مدنيون. وأدت لإغلاق مصفاة النفط مما فاقم من أزمة نقص الوقود.
ولم تستبعد تجدد النزاع. منددة باستخدام الأسلحة الثقيلة داخل الأحياء السكنية.
خطاب مضلل وتنسيق أمني
كما أبرزت البعثة ما وصفته بالتضليل المتعمد حول قضايا الهجرة، وهو ما نتج عنه إغلاق مبنى المفوضية السامية لشؤون اللاجئين بطرابلس، واختراق محيط البعثة الأممية نفسها، “احتجاجاً على ما زُعم من خطط لتوطين المهاجرين في ليبيا”.
وفي اتجاه آخر أشادت بالتنسيق الأمني الفني المشترك لأمن الحدود في سرت الذي قادت جهوده البعثة في 14 مايو. وسجل تقدما في تفعيل مراكز التنسيق في بنغازي وطرابلس. وهو ما سيسهم في التغلب على التحديات الأمنية في ليبيا.
نظام قانوني مواز
وعطفا على الإحاطة السابقة أكدت المبعوثة أن القضاء الليبي لازال منقسما، إلى مجالس قضائية عليا وهيئات دستورية متوازية، دون التمكن من التوصل إلى اتفاق لإنهاء الانقسامات. وهو ما يخشى أن يؤدي إلى أحكام متضاربة وظهور انظمة قانونية موازية، يقوض الوصول للعمليات الانتخابية.
رصد حالتي وفاة في المعتقلات
ولفتت تيتيه إلى الخطوات الأخيرة التي اتخذت لمراجعة قضايا الاحتجاز والإفراج عن أكثر من (400) معتقل في عيد الأضحى في الشرق والغرب. كما لفتت إلى تحقيق يجري في حالتي وفاة لمحتجزين في المنطقة الشرقية. داعية إلى وضع حد للاعتقالات والاحتجازات التعسفية.
وأشادت بخطوة عقدة جلسة الجنائية الدولية في قضية “خالد الهشري”، حاثة الأطراف الليبي للتعاون معها، مع تعزيز الملاحقة القضائية المحلية، لانتهاكات حقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني.
انتقادات ومعارضة وردود فعل إيجابية أيضا
وزعمت المبعوثة أن الحوار المهيكل قد تمخض عن “مجموعة توصيات موثوقة ذات ملكية ليبية”، واعترفت بوجود أصوات معارضة في مسار الحكومة، لكن “حظيت تقارير المسارات الثلاثة الأخرى بإجماع تام”.
وقرنت بين وجود انتقادات للتقرير الختامي، مع وجود ردود فعل إيجابية من بعض شرائح المجتمع. غير أن التحدي الآن في “ضمان ترجمة هذا الجهد إلى إجراءات عملية وتنفيذ منظم ومتسلسل بقيادة ليبية. ونعتزم البناء على هذا الزخم. وسيكون استمرار الدعم الدولي، بما في ذلك من خلال عملية برلين، ضرورياً لتحويل هذا التقدم إلى مؤسسات موحدة وحوكمة مسؤولة واستقرار دائم”.
وقالت إن المسار الانتخابي أحرز بعض التقدم هو الآخر ضمن الاجتماع المصغر.
الدعم الدولي مطلوب لحصد نتائج
لكنها أردفت بأن الاعتماد على هذه العملية وحدها لن يكون كافيا إذا لم تتمكن الأطراف الفاعلة من العمل معا لتهيئة الظروف السياسية والأمنية لإجراء الانتخابات واستكمال الخطوات القانونية المتبقة في فترة زمنية معقولة. مطالبة بالدعم الدولي في هذا الوقت، للحصول على نتائج.
يذكر أن الإحاطة تزامن مع اليوم الدولي لمكافحة خطاب الكراهية كما ورد في نصها، وانتهزت المبعوثة المناسبة للتحذير من أن “الخطاب الضار يمكن أن يعمق الانقسامات ويعرض الناس للخطر”.
واختتمت بالقول: “الاتجاه معروف والأدوات متوفرة، المطلوب الآن هو الإرادة السياسية لتحقيقه”.



