الرئيسية » الرئيسية » رأي- إعادة تقسيم المراكز الانتخابية

رأي- إعادة تقسيم المراكز الانتخابية

* كتب/ جمعة الزريقي،

سمعت أن المفوضية العليا للانتخابات اجتمعت في إيطاليا مع بعض أعضاء مجلس النواب لغرض بحث مشروع الانتخابات المقترح إقامتها في 24 ديسمبر، وأن هناك تعديلا سيتم في الدوائر والمراكز الانتخابية، لذلك فإن هذه الورقة ستعالج هذا الموضوع من الناحية القانونية، مع دراسة لوضعية مجلس النواب القائم والتشريعات التي قام بإصدارها في السابق، ومدى قانونية التزامه بالتشريعات التي صدرت قبل مباشرته لأعماله وبعد تضمينه للاتفاق السياسي في الإعلان الدستوري الصادر في 3/8/2011م .

تنص المادة (5) من القانون رقم ( لسنة 2013م في شأن إنشاء المفوضية الوطنية العليا للانتخابات على أن يتكون مجلس المفوضية من رئيس وستة أعضاء متفرغين، يصدر بتعيينهم قرار من المؤتمر الوطني العام على أن يكونوا من ذوي السمعة الطيبة، ويتسموا بالحيادية وعدم الانتماء إلى أي كيان أو حزب سياسي، وأن يخضعوا للمعايير المقررة في القانون رقم (26) لسنة 2012م الصادر في شأن الهيئة العليا لتطبيق معايير النزاهة والوطنية وتعديلاته) كما تمنع المادة (17) من ذات القانون على العاملين بالمفوضية الانتماء إلى أي كيان سياسي.

واستناداً إلى ذلك فإن أي عضو في مجلس المفوضية أو رئيسها أو من العاملين بها لا يجوز لهم تعاطي السياسة أو التدخل فيها، وإنما ينصب عملهم على ما تنص عليه المادة (3) من القانون المذكور، وعلى ذلك فإن أي اتصال بأي دولة أو منظمة أجنبية أو تلقي مساعدات مالية أو لوجستية منها؛ سواء لدعم العملية الانتخابية، أو لغير ذلك دون موافقة السلطة المختصة في الدولة، يعتبر مخالفا لقانون إنشاء المفوضية، ولقرار المؤتمر الوطني العام رقم (76) لسنة 2014م بشأن حظر التعامل مع غير السلطات الشرعية في الدولة الليبية، وتنص المادة (6) من القرار المذكور بأنه: (على جميع الدول والكيانات الأجنبية وكافة المنظمات والهيئات الإقليمية والدولية ضرورة احترام سيادة الدولة الليبية، وعدم التدخل في شؤونها الداخلية).

وقبل أن أتطرق لموضوع البحث، أي انتخاب مجلس نيابي جديد، لا بد من التعرض لوضعية مجلس النواب القائم حاليا في ظل الإعلان الدستوري الصادر سنة 2011م وتعديلاته، والاتفاق السياسي الليبي الموقع في مدينة الصخيرات المغربية يوم 17 / 12 / 2015م. خاصة والدولة الليبية الآن في مرحلة انتقالية وتعيش صراعاً سياسياً كبيراً حول الانتخابات المقترح إجراؤها في 24 ديسمبر القادم .

تنص المادة (65) من الاتفاق السياسي الليبي على أن (يتم تعديل الإعلان الدستوري بما يتفق ونصوص هذا الاتفاق وفقا للإجراءات المقررة قانونا ووفقا للمقترح بالملحق رقم (4) بهذا الاتفاق خلال موعد غايته (20/10/2015م) وقد فات هذا الموعد ولم يقم مجلس النواب بتعديل الإعلان الدستوري إلى سنة 2018م، وكان يجب أن يقوم المجلس بهذا الإجراء، ولكنه استمر في إصدار القوانين والقرارات التي لم يؤخذ فيها رأي أغلبية النواب الذين قاطعوا اجتماعات المجلس ولم يعلم أحد –فيما أظن– بوجود النصاب القانوني اللازم لإصدارها، يضاف إلى ذلك نشر تلك التشريعات في جريدة رسمية استحدثت في المنطقة الشرقية، وعدم نشرها في الجريدة الرسمية التابعة لديوان وزارة العدل بطرابلس، وترتب على ذلك –أحيانا– وجود تشريعين يحملان نفس الرقم، مع اختلاف موضوعهما وكأننا في دولة أخرى غير الدولة الليبية.

بعد مرور ثلاث سنوات على التاريخ الذي حدده الاتفاق السياسي لتضمينه في الإعلان الدستوري، قام مجلس النواب بإصدار تعديلين للإعلان الدستوري العاشر والحادي عشر، صدرا في مدينة طبرق بتاريخ واحد 18 ربيع الأول 1440 هـ الموافق 26/11/2018م، تناول التعديل العاشر الفقرة (12) من الإعلان الدستوري التي تنص على أنه (بمجرد انتهاء الهيئة التأسيسية من صياغة مشروع الدستور يطرح مشروع الدستور للاستفتاء عليه ب (نعم ) أو (لا) خلال ثلاثين يوما من تاريخ اعتماده) فقام بتعديلها إلى التالي: (يعتمد نظام الدوائر الثلاثة في ليبيا، طرابلس، وبرقة، وفزان) واشترط أن يصوت على الدستور أغلبية ثلثي الأصوات الصحيحة للمقترعين، على ألا تقل نسبة التصويت بنعم عن (50%+ 1) من المقترعين بكل دائرة من الدوائر الثلاثة) وهذا التعديل مخالف لنص الإعلان الدستوري الذي اعتبر ليبيا دائرة واحدة ( المادة 30) .

وقد تم اعتماد مشروع الدستور من قبل هيئة صياغة مشروع الدستور في مدينة البيضاء بتاريخ 29 يوليو 2017م، بأغلبية 43 صوتا، أي بما يفوق النسبة المنصوص عليها في الإعلان الدستوري، ومع ذلك تلكأ مجلس النواب في إصدار قانون الاستفتاء، وإلى الآن لم يطرح المشروع على الشعب الليبي ليقول كلمته في مشروع دستور أعدته هيئة دستورية اختارها الشعب في انتخاب حر مباشر .

أما التعديل الحادي عشر الصادر بذات التاريخ ولكنه تاليا للتعديل العاشر فقد نصت المادة الأولى منه على أن (يضمن الاتفاق السياسي المعدل وفقا لما تم الاتفاق عليه بتكوين المجلس الرئاسي من رئيس ونائبين ورئيس حكومة منفصل إلى الإعلان الدستوري) وطبقا للملحق الرابع للاتفاق السياسي فإنه يعتبر معدلا للإعلان الدستوري ويعتبر جزءا لا يتجزأ منه، ويلغى كل حكم أو مادة في الإعلان الدستوري وتعديلاته يتعارضان مع مواد الاتفاق السياسي (المادتان (1) و(2).

وطبقا لهذا التعديل فإن نصوص الاتفاق السياسي الذي تم تضمينه للإعلان الدستوري الصادر سنة 2011م، تعتبر نصوصاً دستورية في قوة الإعلان نفسه، وتعتبر أحكاما أساسية في النظام القانوني الليبي. ويترتب على هذا الرأي القانوني أن جميع القوانين التي أصدرها مجلس النواب، أو التشريعات التي أقرها في الفترة السابقة على تاريخ ضم الاتفاق السياسي الليبي إلى الإعلان الدستوري، وهو 26 / 11 / 2018م، يجب أن يعاد فيها النظر من قبل مجلس النواب عند التئام كافة أعضائه استنادا إلى ما يلي:

أولا: ينص الاتفاق السياسي الليبي في الفقرة 2 من المبادئ الحاكمة على (الالتزام الكامل بالإعلان الدستوري والعملية السياسية المبنية على مبادئ الديمقراطية والتداول السلمي للسلطة).

وقيام مجلس النواب بإصدار التعديل العاشر بتعديل ما جاء في الفقرة (12) من المادة (30) من الإعلان الدستوري هو خرق لما ورد في المبدأ المنصوص عليه في الاتفاق السياسي، الذي اعتبر أن ليبيا دائرة واحدة وليست ثلاث دوائر، ففي هذه الحالة يعتبر ما قام به مجلس النواب من التعديل العاشر يتعارض من الاتفاق السياسي الذي أصبحت نصوصه أحكاما أساسية في النظام القانوني الليبي، وفقا لحكم المادة (2) من الملحق الرابع للاتفاق السياسي .

ثانيا: تنص المادة (16) من الاتفاق السياسي الليبي على أن (يعقد مجلس النواب بعد التحاق من يرغب من النواب المقاطعين جلسة تُخصص للنظر في القضايا التالية:

1 – المقر المؤقت لانعقاد المجلس،

2 – مراجعة النظام الداخلي للمجلس،

3 – تشكيل لجان المجلس،

4 – القرارات والتشريعات التي أصدرها المجلس،

5 – تطوير العمل التشريعي لتعزيز الفاعلية والشفافية.

على أن يتم الانتهاء من البت في تلك القضايا في موعد غايته (15 أكتوبر 2015م) وقد فات هذا الموعد، ولم نسمع بعد تضمين الاتفاق السياسي الليبي للإعلان الدستوري بتاريخ 26/11/2018م -وقد انضم إليه الكثير من الأعضاء المقاطعين- لم نسمع أنهم قاموا بتطبيق ما جاء في المادة (16) من الاتفاق السياسي.

الأمر الذي يجب معه قيام المجلس وفقا لنص المادة المذكورة الذي أصبح دستورياً واجب التطبيق، ويترتب على ذلك أن التشريعات والقرارات التي أصدرها مجلس النواب هي في مرحلة متأرجحة بين الصحة وعدمها ويتعين عدم تطبيقها.

أعود الآن إلى الموضوع الرئيس الذي دعاني للكتابة وهو ما يدور الآن في أروقة السياسة بين التدخل الدولي ومن يتبع الدول في خطواتها وتدخلها في ليبيا، فما يقوم به حاليا رئيس المفوضية الوطنية العليا للانتخابات من محاولة لإعادة تقسيم الدوائر الانتخابية مخالف لما جرى به العمل في تاريخ ليبيا منذ استقلالها سنة 1952م، والغرض الواضح من ذلك خلق توازنات جديدة لخدمة بعض المتنفذين الذين يرغبون في ترشيح أنفسهم، وانحيازاً لأحد طرفي الصراع، وهو ما لا يملكه، بل يمتنع عليه بموجب القانون رقم ( لسنة 2013م في شأن إنشاء المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، وأن أي إجراء يصدر استناداً إلى هذا التدخل من قبل رئيس المفوضية يخالف الإعلان الدستوري والاتفاق السياسي والتشريعات النافذة في ليبيا، وذلك للأسباب الآتية:-

أولا: لا يجوز لرئيس المفوضية ولا لأعضاء مجلسها وفقا للقانون الذي اشترط عليهم الحيادية وعدم الانتماء إلى أي كيان أو حزب سياسي، وقيام رئيس المفوضية بالذهاب لإيطاليا لغرض إعادة تقسيم الدوائر الانتخابية لأسباب سياسية يخالف قانون إنشاء المفوضية .

ثانيا: قيام القانون رقم 10 لسنة 2014م بشأن انتخاب مجلس النواب في المرحلة الانتقالية، الصادر في 31 مارس 2014م، الذي لا يزال ساريا لعدم إلغائه أو صدور قانون آخر يعدل من أحكامه، وعلى ذلك فهو صالح للتطبيق لأي انتخابات لمجلس النواب المقترح إجراؤها في 24 ديسمبر القادم، والسعي في تعديل الدوائر الانتخابية يقصد به أموراً أخرى.

ثالثا: أن القانون المذكور تضمن الدوائر الانتخابية ومراكز الانتخاب التابعة لها وعددها ثلاث عشرة دائرة، كما بين عدد المقاعد لكل مركز، ابتداء من المركز رقم (1) طبرق إلى المركز رقم (75) رقدالين– زلطن، وقد تم إجراء انتخابات مجلس النواب الحالي على ضوئها بدون مشاكل تذكر، وعلى ذلك فإن أي تعديل فيها سوف يكون محلا للطعن من المتضررين سواء كانوا أفرادا أو منظمات أو بلديات.

رابعا: إن قيام رئيس المفوضية ومن معه بالذهاب إلى إيطاليا لغرض إعادة تقسيم الدوائر الانتخابية، يعتبر تدخلا سافرا في مسيرة الحياة الديمقراطية التي يحاول الشعب الليبي أن يرسخها في هذا العهد، كما أن ذلك مخالف لقرار المؤتمر الوطني العام رقم (76) لسنة 2014م بشأن حظر التعامل مع غير السلطات الشرعية في الدولة الليبية، التي تنص المادة (6) منه على أنه: (على جميع الدول والكيانات الأجنبية وكافة المنظمات والهيئات الإقليمية والدولية ضرورة احترام سيادة الدولة الليبية، وعدم التدخل في شؤونها الداخلية).

خامسا: إن ما يقوم به رئيس المفوضية العليا للانتخابات يخالف ما جاء في المادة (23) من الاتفاق السياسي الذي أصبح نصا دستوريا بعد تضمينه للإعلان الدستوري حيث تنص الفقرة الثانية منها على (يلتزم مجلس النواب ومجلس الدولة وحكومة الوفاق الوطني بتعزيز التعاون والتنسيق فيما بينهما لتوفير أجواء مناسبة لإجراء الاستفتاء على الدستور وإجراء الانتخابات العامة والتداول السلمي للسلطة) وهذا يعني أن الاستفتاء وقانون الانتخابات يجب أن يتم وضعهما بتعاون السلطات الثلاث في ليبيا؛ مجلس النواب، ومجلس الدولة، والحكومة.. وقيام أحدهم بذلك يعد مخالفاً للإعلان الدستوري الذي تضمن الاتفاق السياسي .

لهذا فإنني أرى بعد هذا التوضيح الكامل أن قيام رئيس المفوضية بأي إجراء لتعديل في الدوائر الانتخابية مخالفا للإعلان الدستوري والتشريعات القائمة، فإذا صدر عن عمله هذا أي قانون أو قرار أو تشريع يجوز الطعن فيه من كل متضرر أو صاحب مصلحة.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*الدكتور/ جمعة محمود الزريقي- مستشار سابق في المحكمة العليا وأستاذ جامعي متعاون

 

عن ابوبكر مصطفى

شاهد أيضاً

من حلف الأطلسي إلى تحالف الهادي.. الصراع الدولي يغير بوصلته (تحليل)

الأناضول- أزمة تخلي أستراليا عن صفقة الغواصات الفرنسية التقليدية واستبدالها بأخرى أمريكية نووية الدفع، أحدثت …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *