
* كتب/ خالد الجربوعي،
“طفي الضي وانبطح”
جملة ترددت وعشنها كثيرا ولعدة أيام في سنة 1986 عقب الغارة الأمريكية على ليبيا في 15 أبريل.
غارة استهدفت عدة مواقع أمنية وبعض المواقع المدنية في طرابلس وبنغازي، وجاءت ردا وانتقاما على ما تعرض له جنودها في أحد الملاهي الليلية بمدينة برلين الألمانية في الخامس من أبريل، حيث انفجرت قنبلة في ملهى لابيل في برلين الغربية مما أسفر عن مقتل جنديين أمريكيين وامرأة تركية، وجرح 22 آخرين ما أدى إلى اتهام ليبيا بالوقوف وراء هذا الفعل بعد أن ادعت أمريكا أنها حصلت على نسخة برقية من عملاء ليبيين في ألمانيا الشرقية شاركوا في الهجوم.
ليكون الرد على هذا الفعل بهذه الغارة التي تمت حوالي الساعة الثانية ليلة الثلاثاء/ الأربعاء 15 أبريل في 1986 حيث قامت 66 طائرة أمريكية انطلق بعضها من قواعد بريطانية بشن غارة وقصف أهدافها في العاصمة طرابلس ومدينة بنغازي.. فيما قال المتحدث باسم البيت الأبيض حينها ولاحقا أن الهجوم كان يستهدف مواقع عسكرية رئيسية كما أشارت بعض التقارير إلى أن الصواريخ المرسلة ضربت أيضا منطقة بن عاشور، كما تم الإعلان عن قصف مقر القذافي بباب العزيزية “وإن كان هذا الأمر يحمل الكثير من الشكوك في صحة حدوثه فعليا”، حيث ذكر حينها مقتل ابنته المتبناة هناء القذافي التي تبين لاحقا أنها على قيد الحياة حتى هذه اللحظة.. إضافة إلى مقتل عشرات الليبيين بين جنود ومدنيين في هذه الغارة الأمريكية.
غارة انتهت في عدة دقائق بعد أن أفرغت الطائرات المغيرة حمولتها على المواقع المحددة، لكن الشعب وبعلم رسمي من أصحاب السلطة عاش عدة أياما وهو يظن أن هذه الغارة لم تنته، وأن العدو مازال يواصل هجومه وقصفه يوميا على البلاد حسب ما تخبره به السلطة وإعلامها حينها، استغلالا للحدث من قبل النظام ومحاولة لإيهام الشعب أن الأمر ليس مجرد غارة عابرة ومحددة، بل هو عدوان متواصل لتدمير البلاد وقتل العباد.. حتى إن عديد الليبيين دفعوا ثمن هذا الفعل غاليا، ليس من وراء الغارة مباشرة بل بسبب عدم معرفة حقيقة الحدث وانتهائه في لحظات، ولكن نتيجة ما حدث من نزوح وفرار للمواطنين من العاصمة طرابلس خشية التعرض لهذا العدوان المفترض أنه لم يتوقف، فيما واصل النظام نشر هذا الأمر وبث الخوف والرعب بين أبناء الوطن دون تبين حقيقة ما حدث وطمأنتهم بنهاية هذه الغارة في حينه.
فيما كان تعامل نظام القذافي مع الغارة الأمريكية في تلك الفترة عشوائيا وفوضويا بشكل كبير، وتحول من صراع عسكري أو بالتحديد عملية عسكرية نفذتها دول أخرى وذهبت في حال سبيلها إلى حدث أمني داخلي بامتياز، فامتلأت الطرق بالبوابات العسكرية والأمنية وكأنها تبحث عن شيء لا أحد يعرفه، وكأن من أطلق الصواريخ أو قادة الطائرات يعيشون داخل البلاد، وسيمرون بإحدى طرقها وأن الغارة تحولت إلى معركة مستمرة يخشى من نتائجها وما سيكون معها الحال.. إضافة إلى استغلال الكثيرين من أعوان النظام الظروف لمحاولة التخلص مما يربطهم به، فمن علم بعد ذلك أنه كان يمزق أوراق انتمائه إلى إحدى الجهات الأمنية أو الأيديولوجية التابعة للقذافي من لجان ثورية وأجهزة أمنية وغيرها خوفا من أن الأمر لن يتوقف إلا بإسقاط النظام كما تصوروا..
كما ترك المواطنين دون أي توضيح لما حدث، وأن الأمر كان غارة محددة لعدة دقائق وانتهت، فتركهم يبحثون عن مصيرهم وعن أماكن يذهبون إليها دون من يوضح لهم أن الأمور على خير، ولا دعي لأي هلع أو خوف أو نزوح جماعي من العاصمة إلى جوارها، الأمر الذي تسبب في ازدحام الطرق في الأيام الموالية باتجاه خارج طرابلس، ومحاولة سرعة الخروج من المدينة وأحيائها بسبب ترويج الإعلام وإطلاق الرصاص لعدة أيام، ويزداد الأمر عندما تطلق المضادات الأرضية في الهواء دون أي سبب مقنع، كما تبين لاحقا إلا إيهام الناس أن العدوان مازال متواصلا ومستمرا وهو أمر لا مكان له على الواقع، وما نتج عن ذلك من حوادث طرقات ذهب ضحيتها الكثيرون، وضياع عديد المواطنين في أماكن لا يعرفونها فكانت هناك قصص لا تنتهي عاشها الكثير من الليبيين في تلك الأيام، بسبب تركهم دون معلومة حقيقة وواضحة عما حدث.
فذهب الكثير منهم بحثا عن أماكن أخرى أكثر أمنا فتوجه البعض إلى الأقارب ومدنهم الأصلية، فيما توجه بعض آخر إلى الغابات والأماكن المفتوحة التي كانت تحيط بالعاصمة حينها للاحتماء بها وقضاء بعض الوقت بعيدا عن أماكن القصف، كما تصوروا، كل ذلك نتيجة غياب أي مسؤول يوضح ما كان وما سيكون لأكثر من يومين عقب لحظة الغارة والقصف، ليعيش المواطن أياما عصيبة فبركها النظام واستغل ما حدث من ورائها..
ليخرج جلود أولا معلنا استمرار المعركة وتواصلها ما زاد في قلق المواطن مما سيكون في قادم الأيام، أما القائد الهمام فقد غاب عن المشهد لعدة أيام لا خبر ولا حس إلا ما قاله جلود عند خروجه من أنه فوق فوق تحت تحت.
وبعد ثلاثة أيام من الاختفاء والاختباء خرج (الصقر الوحيد..!!) على الشعب كما عادته بطلا لا يشق له غبار ببطولة مزيفة، واهما ومعلنا الانتصار والصمود وقهر العدوان، أمام هذه الغارة التي شنتها دول عظمى مثل أميركا وبريطانيا، ليضف تسمية جديدة إلى اسم البلاد وتصبح: “الجماهيرية العربية الليبية الشعبية الاشتراكية العظمى”، حيث جاء إضافة كلمة “العظمى” كناية ععن أن جماهيريته دولة عظمى كونها صمدت بوجه دول عظمى، كما أعلن من اختفى عند ساعة الجد وتوارى عن الأنظار لثلاثة أيام متواصلة.
في موقف لا نعرف ولا ندري أي بطولة تكون في الاختفاء وترك الشعب وحيدا في الفوضى والزحام طالبا من المواطنين القتال والرقص والغناء، ففيما كانت الثانية والثالثة ممكنة وهو أمر عادي وطبيعي لدى شعب يرقصه كل من يحكمه إلا من رحم ربي فإن الأولى لا يعرف كيف ستكون وضد من سيكون القتال أصلا، دون أن ننسى إضافة اسم جديد لاسم البلاد الطويل لتتحول إلى عظمى في لحظة لا تعبر إلا عن وهم العظمة والفراغ الذي يعيشه مثل هؤلاء القادة ومن يحاولون إظهار بطولاتهم عقب نهاية الأحداث الفعلية.
وطبعا كان من بين الأفعال التي فرض على المواطنين القيام بها هي طلاء ألوان مصابيح سياراتهم بالأزرق لتفادي كشفها من العدو، وكذلك إطفاء الأضواء خاصة الخارجية لبيوتهم، وما يوجد من أضواء عامة في الطرق والشوارع مع ضرورة أخذ وضع الانبطاح عند سمع أي صوت لإطلاق الرصاص، وطبعا كل هذا الرصاص والقذائف كانت تطلق من قبل عسكر النظام وأتباعه لمحاولة إثبات أن عملية العدوان متواصلة ليستمر الأمر لأكثر من ثلاثة أيام على هذه الحالة.
من هنا جاء هذا شعار “طفي الضي وانبطح” وأصبح جزءا من تلك المرحلة يردد لفترة من الزمن تهكما وحسرة على ما حدث من تغفيل واستغلال للمواطن، بحجة أن إطفاء الأنوار سيخفى الأهداف والمواقع عن العدو حتى في البيوت والسيارات التي أصبح طلاء إنارتها بألوان زرقاء خاصة أمر ضروري وواجب، من لا يقوم بذلك بنفسه سيجد البوابات ومن كلفوا بالقيام بهذا العمل في انتظاره، لإجباره على القيام بهذا الفعل الوهمي.. وكأن كل سيارة خاصة أو مصباح كهرباء مضيء سيتحول إلى هدف تتحرك من أجله الطائرات والجيوش لقصفه بعد أن عادت إلى مواقعها ودولها عقب تنفيذ غارتها في وقت محدد وانتهى كل شيء بالنسبة لها، وللأسف أن الشعب صدق ذلك وعاش أياما وليالي في رعب وخوف يفعل كل ما يقال له حقا وباطلا.
وطبعا كان لهذه الغارة وما تعرض له فيها النظام من خوف ورعب على كرسيه دور كبير فيما حدث بعدها من متغيرات في التعامل مع كثير من الأحداث داخليا وخارجيا، ومحاولة كسب الخصوم والأعداء من الطرفين.
فداخليا عمل النظام على فتح باب المصالحة مع عدد من أطراف المعارضة والرافضين لحكمه حينها، ففتح باب العودة الطوعية للمقيمين بالخارج.. وفتح السجن لإخراج عدد من المساجين فيما عرف بأصبح الصبح وتدمير مقرها ولو شكليا.. وتمزيق ما قيل أنها قوائم الممنوعين من السفر.. كما عمل على الخروج من بعض توجهاته خاصة الاقتصادية والتي فرض فيها يوما الأسواق والجمعيات التي فتحت باب الفساد على مصراعيه، وعلمت الناس الذل من أجل الحصول على حاجياتهم الأساسية فعمل على إعادة فتح باب التجارة الخاصة وإن بتسميات وهمية مثل الموزع الفردي والتشاركيات وغيرها، حتى لا يقال إن مشروعه الاقتصادي الاشتراكي فشل رغم أننا مازلنا ندفع ثمن تلك الفوضى الاقتصادية والتجارية حتى اليوم، بعد أن أفرغ التجارة المنظمة والحقيقية من معناها وأعاد تجارة مشوهة فوضوية همها الربح والاستغلال على حساب المواطن قبل كل شيء، أسوأ مما كانت عليه قبل إقفالها بحجة الاستغلال.
أما خارجيا فحدث انقلاب كبير في سياسة القذافي فبدأ بإعادة العلاقات مع عديد الدول خاصة العربية والتي كان يرفض التعامل مع قادتها بحجة علاقتهم مع “إسرائيل”، وخاصة المجاورة، فأعاد العلاقة مع مصر ورئيسها بعد أن كان يرفض حتى لقاءه الذي كان يسمى في الإعلام الليبي “البارك”، وأصبح مبارك الصديق الصدوق بعد أن كان العدو الأول ومرفوض حتى مصافحته لأنه صافح “الإسرائيليين” وغيرها الكثير.
وصولا إلى هدم للبوابات الحدودية مع مصر وتونس خاصة في مشاهد عشوائية فوضوية كما عادته في جل أعماله وسياسته وتصرفاته الغير منظمة، حتى لا يظهر أنه فعل ذلك حاجة إلى تلك الدول إنما بحجة وحدة وهمية عاش على ترويجها طويلا.
إلى آخر ما كان من محاولة فتح الحوار مع الأمريكان وعديد الدول الغربية التي كانت تصنف في قائمة الأعداء لتفادي شرهم والعمل على تجنب عدوانهم والتهديد بإسقاطه، ويجب الاعتراف أنه نجح في ذلك إلى حد كبير مع توالي الأحداث وإن لم يكن التغيير كليا هذه المرة، ولكن كان خطوة مهمة انتهت بمحاولة تغيير أخرى بعد سقوط بغداد ومشهد إعدام “صدام حسين” الذي من خلاله كان التغيير الأكبر، والذي من خلاله رمى القذافي كل أوراقه خاصة الخارجية، وفتح كل الأبواب التي كانت مغلقة طويلا أمام الآخرين، وطبعا كل ذلك لم يكن يوما من أجل ليبيا والليبيين بل خشية وخوفا مما يمكن أن يتعرض له من الأمريكيين.
وللعلم فإن تفاصيل الغارة كانت معلومة كاملة بل إنها منشورة في إحدى الصحف العربية قبل حدوثها، وقد تمت مصادرة تلك الصحيفة بعد توزيعها على الأكشاك والمكتبات حينها، لكن بعد علم السلطة بتلك التفاصيل المنشورة تمت مصادرة الصحيفة بشكل كامل إلا من احتفظ بنسخة منها من أصحاب المكتبات أو ما تسرب قبل المصادرة، وشخصيا شاهدت ذلك الخبر في أحد الأكشاك صباح يوم الثلاثاء قبل حدوث الغارة.



