حكاية مدينة: طرابلس لدى الرحّالة العرب والأجانب ح3

* كتب/ محمد المهدي زعبية،
ليست طرابلس في كتب الرحالة مدينة سلامٍ دائم؛ فهي بحكم موقعها تقع على خط تماس بين قوى المتوسط.
في هذا الكتاب، تُقرأ شهادات الرحالة بوصفها إشارات على مراحل توترٍ كبرى: حصار، اقتحام، احتلال، ثم إعادة بناء أو ترميم منظومة الدفاع. وتظهر المدينة هنا ككائنٍ يتألم ويقاوم: تتضرر أسوار، تُغلق أبواب، يتراجع النشاط التجاري، ثم تعود الحياة تدريجياً عندما يستعيد المكان شيئاً من الاستقرار.

يستوقفنا في هذه المرحلة حضور التقارير الأوروبية (أو ما يشبه التقارير) التي تتعامل مع طرابلس كهدف استراتيجي: الميناء، القلعة، نقاط الضعف، قدرة التحصين، أعداد السكان، الموارد، وأحياناً تقييم “القابلية للسيطرة”. هذه اللغة تختلف عن لغة الرحالة العربي الذي ينشغل كثيراً بالهوية العامة للمدينة ومكانتها ضمن المجال الإسلامي، وإن لم يخلُ أيضاً من رصد أسباب القوة والضعف.
في زمن الاحتلال الإسباني مثلاً، تبرز في الكتاب صورة مدينة أُنهكت بالحرب وتبدلت فيها أحوال الناس والأسواق. الاحتلال لا يعني فقط تبدل الرايات؛ بل يعني أيضاً تغيراً في الأمن، في حركة التجارة، وفي التركيبة الاجتماعية داخل الأسوار. ثم تأتي مرحلة فرسان مالطا بما تحمله من نموذج حكمٍ مختلف، يجعل القلعة مركز الثقل، ويشدّد قبضته على مفاصل المدينة، فتتحول طرابلس—في عين كثير من الشهادات—إلى مساحة تتنازعها الحامية والناس، ويصبح همّ السكان بين الضرائب والخوف وتقييد الحركة.
لكن المدينة لا تتوقف عند صورة الضحية. فحين يستعيدها المسلمون، تبرز أعمال التحصين وإعادة التنظيم، وتعود طرابلس لتقوم بوظيفتها القديمة: ثغرٌ وتجارةٌ وممرّ.
هنا يلاحظ المؤلف أن بعض الرحالة يربط ازدهار طرابلس بقدرة الحاكم على إدارة الأمن والبحر معاً: فمن دون بحر آمن لا تجارة، ومن دون إدارة عادلة لا عمران.



