الرئيسيةالراي

رأي- البرامج التلفزية الخيرية إذلال للإنسانية

* كتب/ خالد الجربوعي،

تحفل الشاشات التلفزية خاصة خلال شهر رمضان المبارك بعديد البرامج الاجتماعية والتي تحمل صفة البرامج الخيرية التي يحاول أصحابها من خلالها تقديم ما يفترض أنها مساعدات وخدمات إنسانية مختلفة من أموال وسلع قد تصل حتى إلى السيارات والعقارات وفرص العمل وغيرها، وهو وإن كان أمر يفترض أنه إيجابي في ظاهره ونتائجه.. لمن يفعله ويقدم ما يعرضه على الشاشة لمن يستضيفهم ويقدمهم كمحتاجين، وليس مجرد دعاية تنتهي بانتهاء البرنامج.

لكن وللأسف الشديد إنه في العمق والجوهر بعيد كل البعد عن الأعمال الخيرية والمساعدات الحقيقية؛ لأنه يتحول إلى وسيلة للإذلال وكشف عورات الآخرين، وفضح حياتهم وما يعيشونه من ظروف لا يجب أن تتحول إلى وسيلة للتسويق والدعايات التافهة..

وحتى إن رضى أولئك المحتاجين ومن تقدم لهم هذه المساعدات بمثل هذا الأمر في سبيل الحصول على ما يقدم لهم من مغريات وحاجيات مادية وعينية قد يحتاجونها فعلا، وقد تكون لا قيمة لها أصلا ولا تغني ولا تسمن من جوع.. إلا إن الأمر أصبح وسيلة لكثير من الأشخاص ومن وراءهم من جهات وشركات دعائية للإذلال لهؤلاء المحتاجين، من خلال كشف شخوصهم والتعريف بهم أمام الآخرين عبر الشاشات ليصبحوا وسيلة حتى للتنمر لدى الآخرين.. وهو أمر يتنافى مع العمل الخيري الحقيقي المفترض أنه يقدم لوجه الله “وهو آخر هم من يفعلونه” ويتم بالسر ودون الكشف عن المستفيدين منه.. وحتى لو كان من الضروري تقديم هذه البرامج من أجل هذه المساعدات كان يمكن إخفاء أصحاب الحاجات دون إظهارهم بشكل علني مقرف، يضعهم في مواقف محرجة لا تنتهي، ولا يحسدون عليها لهم ولأبنائهم في مستقبل الأيام، بل وطيلة الزمان أحيانا من أجل بعض الماديات حتى لو كانوا في أمس الحاجة إليها.

أما مقدمو هذه البرامج فهم يتحولون من خلالها إلى أناس لا ضمير لهم ولا إنسانية، حتى لو حاولوا إظهار العكس وأنهم يتعاطفون مع أصحاب الحاجات في إدارة درامية رخيصة، لا تساوي دمعة أو حاجة مما يعيشه من يستغلون حاجاتهم للدعاية لأنفسهم، بل وقبض ربما أضعاف ما يقدمونه لهم لصبحوا مكابرين وأنانين وطالبي شهرة ودعاية على حساب حاجات الآخرين أيا كان مقصدهم.. ليتحول أصحاب الحاجات إلى مجرد وسيلة لهم ولمن وراءهم للحصول على المال هم أيضا وإن بشكل عادي لا إذلال فيه، كما يفعلون مع الآخرين ومن يستغلونهم لتقديم برنامجهم الخارج عن كل قيمة وإنسانية، والتفاخر عبرهم وتقديم أنفسهم على أنهم أهل خير وبر والأمر عكس ذلك تماما، فمثل هذه الأمور تكون برا حقيقيا عندما لا تعلم اليد اليسرى ما قدمته اليد اليمنى، لا أن يصبح الأمر مشاعا ويعلمه آلاف الناس من المتابعين، وهي لا تستحق المشاهدة أصلا لمن له قلب وضمير وإنسانية، هذا إن حصلوا على هذه المشاهدة التي هي هدفهم الأساسي والأهم من كل ما يدعونه من فضل وخير ومساعدة المحتاجين.

فهل من وقفة لإيقاف مثل هذه البرامج بهذا الشكل، ومنعها بمثل هذه الطريقة المذلة، ليس لمن تقدمهم عبر الشاشات فقط وتقدم لهم لمساعدات، بل لكل الإنسانية التي يتحول فيها الإنسان المحتاج إلى سلعة ووسيلة للدعاية، وتقديم البرامج التافهة لأفراد وجهات لا يهمها إلا استغلال كل ما يمكن استغلاله من أجل دعاية فارغة ومكاسب واهية، لا قيمة لها أمام دمعة محتاج وحاجة مضطر في نهاية الأمر مهما كنت نتائجها ومقصدها.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى