اخبارالرئيسيةعيون

هل تتخطى البعثة الأممية في ليبيا مجلسي النواب والدولة؟

العربي الجديد-

وجّهت البعثة الأممية في ليبيا، يوم الأربعاء الماضي، رسالة تحذير إلى مجلس النواب الليبي، معلنة عن رفضها الضمني لاعتماد المجلس أخيرا خريطة طريق المسار التنفيذي للقوانين الانتخابية الصادرة عنه، ومحذرة إياه من أي محاولة لتقويض تطلعات الليبيين إلى إجراء الانتخابات.

وفيما يواصل مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة في ليبيا، التغريد منفردين في محاولة لرسم المسار السياسي المقبل، وتفصيل القوانين الانتخابية التي لا تزال محل خلاف بينهما، يرى متابعون أن البعثة الأممية قد تتمكن من فرض خريطة الطريق السياسية الخاصة بها، وتهميش المجلسين، فيما يعتبر آخرون أن ذلك قد يكون صعباً نظراً إلى تعقيدات التحالفات التي قد تفاجئ المبعوث الأممي إلى ليبيا، عبدالله باتيلي.

البعثة الأممية تحذّر مجلس النواب

وكان مجلس النواب قد صوّت، الثلاثاء الماضي، على خريطة طريق لتنفيذ القوانين الانتخابية الصادرة عن لجنة 6+6 المشتركة بين مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة، مع إحالة عدد من الملاحظات إلى لجنة 6+6 لتضمينها وإرجاعها إلى مجلس النواب لاعتمادها بشكل نهائي. ومن بين ما تنص عليه خريطة الطريق، ضرورة تشكيل حكومة موحدة، حال اعتماد القوانين الانتخابية بشكل نهائي من مجلس النواب.

لكن البعثة قالت، في بيان لها الأربعاء، إنها “أخذت علماً بموافقة مجلس النواب على خريطة طريق وإعلانه عن فتح باب الترشيحات لحكومة جديدة”. واعتبرت البعثة أن اعتماد المجلس لخريطة الطريق مبادرة “أحادية الجانب لمعالجة الانسداد السياسي”، قد تؤدي الى “عواقب وخيمة” على البلاد، وطالبت بضرورة وجود اتفاق سياسي جديد يقوم على أساس معالجة النقاط الخلافية في قوانين لجنة 6+6.

وفي إشارة إلى المسار التفاوضي الشامل الذي سبق أن أعلن رئيس البعثة عبد الله باتيلي، عن بدء لقاءات كثيفة بشأنه، لفت بيان البعثة إلى أن باتيلي يواصل لقاءاته مع جميع المؤسسات والأطراف الليبية “من أجل الاتفاق على خريطة طريق لإجراء الانتخابات في أقرب وقت ممكن في جميع أنحاء البلاد، على أساس دستوري وقانوني”، مضيفة أن لقاءاته تهدف إلى “التوصل لتسوية سياسية تجعل مشاريع قوانين الانتخابات قابلة للتنفيذ والاتفاق على إنشاء حكومة موحدة جديدة، والتمكين من إجراء انتخابات ناجحة من دون تأخير”. كما ذكر البيان أن باتيلي “يعمل من خلال الحوار والحلول الوسط والمشاركة البناءة بطريقة شفافة وشاملة للجميع بهدف تشكيل حكومة ليبية موحدة قادرة على إدارة البلاد”.

وردّ المتحدث باسم مجلس النواب، عبد الله بليحق، أول من أمس، على ما ورد في بيان البعثة، معتبراً أنه “تضمن معلومات غير صحيحة”، وواصفاً إشارة البعثة في بيانها إلى أن مجلس النواب فتح باب الترشح لرئاسة الحكومة بـ”الادعاء”.

وفيما عبّر بليحق عن استغرابه من وصف البعثة لما قام به مجلس النواب بـ”الإجراءات أحادية الجانب”، أكد أن ذلك “غير صحيح”، في إشارة إلى اعتماد المجلس الأعلى للدولة أيضاً لخريطة الطريق وقوانين لجنة 6+6 الانتخابية.

ورداً على بيان البعثة، أصدرت سفارات الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا في ليبيا، بياناً مشتركاً، ليل الخميس، أعلنت فيه دعمها لجهود باتيلي الرامية إلى إشراك جميع الأطراف في معالجة النقاط المختلف عليها في القوانين الانتخابية للجنة 6+6.

وأكد بيان السفارات الخمس ضرورة “أن تتم مناقشات كل الأطراف في ليبيا في إطار العملية السياسية التي تقودها الأمم المتحدة”، مشدداً كذلك على “ضرورة مشاركة جميع الأطراف السياسية في ليبيا بشكل بناء مع رئيس البعثة الأممية”. كما أكد البيان “دعم تأمين الاتفاق السياسي الشامل الضروري على طريق الانتخابات، من خلال مساحة متكافئة لجميع المرشحين”، لافتاً إلى أن “المناقشات حول خريطة الطريق يجب أن تكون جزءاً من المفاوضات السياسية الأوسع التي تُيّسرها الأمم المتحدة”.

منتدى سياسي جديد في ليبيا

ومن المنتظر أن يناقش المجلس الأعلى للدولة ملاحظات مجلس النواب على القوانين الانتخابية ليتم تضمينها من قبل لجنة 6+6 وإرجاعها إلى مجلس النواب لاعتمادها بشكل نهائي للبدء في تنفيذها. لكن الأكاديمي وأستاذ العلوم السياسية خليفة الحداد، تساءل عن “الضمانات التي حصل عليها مجلس النواب ليوافق مجلس الدولة على ملاحظاته، حتى أقدم على إصدار خريطة طريق من مهامها تنفيذ القوانين التي لم تعتمد بعد بشكل نهائي، إذ من الممكن ألا يوافق مجلس الدولة على الملاحظات، خصوصاً وأنها أصل الخلاف بين المجلسين خلال كل الفترات الماضية”.

وتتعلق ملاحظات مجلس النواب بإلغاء الجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية، والسماح لمزدوجي الجنسية بالترشح، شريطة إحضار ما يفيد بالتنازل عن الجنسية الأجنبية من سفارة الدولة التي يحمل جنسيتها المرشح في حال فوزه، كما يسمح للعسكريين بالعودة إلى مناصبهم في حال عدم فوزهم في الانتخابات.

ووفقاً، لتقدير الحداد فإن مجلس الدولة لن يوافق على ملاحظات مجلس النواب فـ”القبول بتلك الملاحظات يعني السماح لحفتر بالترشح، وهو ما لن يسمح به المنتظم المسلح والشعبي في غرب البلاد الذي لطالما رفض ترشح حفتر”. وعليه، بحسب رأيه، فإن ملف القوانين الانتخابية  سيبقى قيد المماطلة وتشكيل اللجنة تلو اللجنة للنظر فيه وإعادة صياغته وغيرها من المبررات، فالقوانين الانتخابية أنسب عنوان يمكن أن يعمل تحته المجلسان للوصول إلى هدفهما الحقيقي وهو تشكيل حكومة جديدة وإبعاد (رئيس حكومة الوحدة الوطنية) عبد الحميد الدبيبة الذي بات يشكل خصماً عنيداً للمجلسين”.

وأعرب الحداد في حديث لـ”العربي الجديد”، عن اعتقاده بأن “نوايا المجلسين أصبحت واضحة”، وأن “بيان البعثة يؤكد أنها أدارت ظهرها للمجلسين وبدأت ومعها العواصم التي تدعمها، في الاتجاه نحو تشكيل منتدى سياسي جديد يضم أطيافاً سياسية ومجتمعية وعسكرية لإنتاج اتفاق يجبر المجلسين والحكومتين على مغادرة المشهد، وإفراز مشهد سياسي جديد حتى ولو كان ضمن فترات الانتقال السياسي”.

ولفت الأكاديمي وأستاذ العلوم السياسية، إلى أن بيان البعثة الأممية حمل الكثير من الرسائل للقادة الحاليين في المشهد الليبي، موضحاً أنه حمل لغة خطاب جديد تعكس جدية في التعامل مع مجلسي النواب والدولة.

وتلك الرسائل، بحسب الحداد، موجهة للمجلسين “اللذين باتا في نظر البعثة جسما واحدا باعتبار ممارستهما المعطلة، فتعبير الجانب الأحادي لا تعني به البعثة مجلس النواب فقط بل هي تعلم أن مجلس الدولة اعتمد خريطة الطريق”. ورأى أن البعثة “تريد القول للمجلسين إن لكما شركاء آخرين من الأطياف السياسية والمجتمعية والعسكرية التي يجب أن تجلسوا معها حول طاولة التفاوض الجديدة”، معتبراً أن هذه الرسالة تؤكد أيضاً مضي البعثة في اتجاه تنفيذ المسار التفاوضي الذي أعلنت عن بدء التحضير له قبل أيام.

وتابع الحداد: “أما الرسالة الثانية فهي موجهة للحكومتين، خصوصاً حكومة الدبيبة في طرابلس (هناك أيضاً الحكومة المكلفة من قبل مجلس النواب) التي تتوهم من خلال اتصالها بالدول والعواصم الكبرى أنها مدعومة دولياً، فحديث بيان البعثة واضح في أن تغيير الحكومة من أهداف المسار التفاوضي الجديد، وأنها لا تدعم بقاء الدبيبة أو الحكومة المنافسة له في الطرف الآخر”.

وأشار الحداد إلى نشاط باتيلي في دعم اللقاءات الخاصة بالمسار الأمني والعسكري بين قادة معسكري غرب وشرق البلاد، معتبراً أن “هذا المسار إضافة هامة لعمليات التفاوض السياسي المقبلة، وهو ما يعول عليه باتيلي لإنجاح خطته”. وبرأيه، فإن “إشراك العسكريين يحيّد خطر عرقلتهم وقبولهم لأي اتفاق، كما أن مشاركة العسكريين سيكون الضامن لتنفيذ نتائج أي اتفاق، فهم من في يدهم الكلمة على أرض الواقع”.

أين شركاء باتيلي؟

في المقابل، رأى الباحث في الشأن السياسي، عيسى همومه، أن باتيلي كان يبحث عن شركاء محليين يمكنهم فرض واقع جديد بمساعدته في إقصاء مجلسي النواب والدولة.

وأضاف همومه، في حديث لـ”العربي الجديد”، أنه “باعتبار فراغ الساحة من القوى السياسية والاجتماعية القوية، فلم يكن من خيار أمام باتيلي إلا أن دعم لجنة 5+5 العسكرية المشتركة ووسّع أعمالها بضم عدد من القادة العسكريين والأمنيين”، معرباً عن اعتقاده بأن رهان المبعوث الأممي على هؤلاء “سيكون خاسراً بسبب غياب الثقة التامة بينهم، فقادة الغرب يدركون أن حفتر لا يرغب في شركاء معه وقد حشد قوته لقتالهم، وهو اعتقاد صحيح بالنظر لقرارات وتصرفات حفتر”.

وبناء على ذلك تساءل الباحث: “من هي الأطياف التي سيشركها باتيلي في المسار التفاوضي المقبل ومن ممثلوها”، لافتاً إلى أن “بيان البعثة يقول إن باتيلي مستمر في لقاء المؤسسات والأطراف الليبية، لكننا لم نرَ إلا لقاءاته مع مجلسي النواب والدولة وحفتر ورئيس الحكومة في طرابلس والمجلس الرئاسي (برئاسة محمد المنفي)، وهم أنفسهم القادة الحاليون”.

وبناء عليه، رأى همومه أن باتيلي “يستشعر مخاطر الفراغ في المشهد، ولذا يدرك أنه لن يستطيع تجاوز المجلسين وكل ما يحاوله هو محاصرتهما: فمن جانب يتمسك بقوانين لجنة 6+6 التابعة للمجلسين، ومن جانب يطالب بضرورة تعديلها لتكون قابلة للتنفيذ ويضغط من أجل توسيع دائرة المشاركة في عملية إجراء التعديلات التي يطلبها حتى تصبح القوانين وثيقة تمثل اتفاقاً سياسياً جديداً”، مشيراً إلى أن مسار باتيلي المقبل “محفوف بالمخاطر وعلى الأقل الكثير من العقبات”.

واعتبر همومه أن “من بين العقبات الجديدة التي ستعترض طريق المبعوث الأممي، أنه أضاف معرقلاً جديداً إلى جانب مجلسي الدولة والنواب، وأعني حكومة الدبيبة الذي لن يسلّم السلطة بسهولة وعمل طيلة الفترة الماضية على تمكين وجوده لدى شركاء إقليميين باتوا يرتبطون معه بمصالح كبيرة كتركيا أولا وإيطاليا ثانياً”. ولفت إلى أن الدبيبة “أجرى أخيراً اتصالات مع مصر أيضاً بسبب تحسن العلاقات المصرية التركية، من دون أن ننسى أنه رجل براغماتي قبِل بأن يتفاوض مع حفتر لعقد صفقات من تحت الطاولة، وسمحت له خزينة الحكومة بالحصول على نفوذ واسع داخل المجموعات المسلحة القوية في طرابلس وغرب البلاد”.

وشدّد همومه على أن الدبيبة “لا تزال لديه أوراق قوية يمكن أن يلعبها مثل أن يجري تعديلات وزارية على حكومته لقبول من يرغب مجلسي النواب والدولة في تعيينهم وزراء في حقائب هامة، مقابل إزالة الحكومة المنافسة له”، معرباً عن اعتقاده بأن “مسار باتيلي سيكون حليفه الفشل وقتها”.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى