
* كتب/ خليفة البشباش،
عندي وجهة نظر مختلفة قديمة، كنت قد خضت لأجلها نقاشا حاميا مع أحد أرباب العمل ذات مرة، وقررت أن لا أفعل مرة أخرى، لكن عودة هذا النقاش اليوم يجرني للمشاكل!
وبعيدا عن الصورة النمطية، وتأثيرات مرض النفط والنظام الريعي والاشتراكية المشوهة وغيرها من المشكلات البنيوية في سوق العمل الليبي التي تراكمت عبر عقود.. فهناك مشكلة أصيلة يتم تجاهلها.
ما يجري مع العامل الأجنبي -حتى لو كان بأوراقه-، هو جريمة متكاملة الأركان، وانتهاك بل سحق لقانون العمل الليبي، وأبسط قواعد قوانين العمل في أي مكان في العالم، ولهذا فإن مقارنة الليبي بنظام استعباد سيعني الخسار في كل مرة!
ينص قانون العمل في ليبيا -وهو أقل إنسانية من كثير الدول- على أنه لا يجوز تشغيل العامل أكثر من 8 ساعات يومياً (أو 48 ساعة في الأسبوع)، مع وجوب تخلل هذه الساعات فترات للراحة وتناول الطعام لا تقل عن ساعة، وحظر تشغيله لأكثر من 6 ساعات متواصلة دون راحة، فضلاً عن منحه الحق في راحة أسبوعية مدفوعة الأجر لا تقل عن 24 ساعة.
ويفرض قانون العمل تعويضا ماليا عن أي ساعات عمل إضافية يكون أعلى من ثمن ساعات العمل الطبيعي، ويصل إلى أجر مضاعف إذا كان العمل في أيام العطلات أو الراحة الأسبوعية.
ويفرض القانون إجازة سنوية مدفوعة الأجر -ركزلي في مدفوعة الاجر- لا يجوز التنازل عنها وتتراوح مدتها بين 30 إلى 45 يوما بحسب السن ومدة الخدمة، وخلافا لواقع الطرد عند التعب أو المرض واللي يصير كل يوم، يمنح القانون الحق في إجازة مرضية مدفوعة الأجر تتراوح بين أيام ويصل مجموعها لأشهر في بعض الحالات والعقود.
وكل هذه القوانين وغيرها تسري على العامل الاجنبي والليبي على حد سواء، لأن القانون أصلا يشترط للتعاقد مع العمالة الوافدة وجود عقود نموذجية معتمدة من وزارة العمل، ونفس الشيء لليبي، يفترض أن لا يعمل أحد في أي شركة أو متجر أو ورشة إلا بعقد عمل مكتوب وواضح.
العامل الاجنبي إنسان أيضا، لا يوجد إنسان يريد أن يكون صلاحية عموده الفقري 10 سنوات عمل، ثم يقضي بقية عمره في المعاناة، لا يوجد إنسان يريد أن يعمل من الصباح إلى المساء كل يوم لسنوات متعددة، لا يوجد إنسان يرغم أن يبيت في مقر عمله، أو يعمل في بيئة غير صحية تراكم أمراضا في جسمه.
العامل الأجنبي أيضا لديه أم وإخوة وأقارب وأصدقاء يمرضون ويموتون ويتزوجون وينجبون، العامل مثلك تماما.. يحزن بشدة عندما يأتيه خبر مؤلم، ويريد أن يشارك الآخرين فرحتهم.. يريد أن يترك العمل ويتفرغ لهمومه أحيانا.
العامل الأجنبي إنسان لديه كرامة كذلك.. يا للمفاجئة، يود العامل فعلا لو يلكم وجهك صفعة تنسيك تاريخك العائلي عندما ترفع صوتك وتهينه، يرغب فعلا أن يبصق في وجهك ويترك العمل مع جشع عديم الأخلاق يتحدث معه بفوقية ويدفعه وينهره أمام الناس.
لكنه ببساطة لا يستطيع.. ليس لديه حقوق ولا حماية، ولديه أفواه يجب أن يطعمها، عائلة بعيدة جائعة تعتمد عليه تماما… وأنت ببساطة تستغل ذلك، وتصفه بالبطل والشخص اللي يخدم، وتلوم الليبي وغير الليبي لأنه ليس عبدا بما فيه الكفاية!
مشكلة الليبي معك ليست في أنه “ما يخدمش”، مشكلتك أنه لا يريد التحول إلى ماكينة لا تتعب، لا تستطيع أن تصفعه عندما يتوقف للحظات، لا تستطيع أن تكلفه بمهام خارج الاتفاق.. لأنه قد يتجرأ ويقول لك: هذي مش خدمتي! بعكس العامل الذي تستعبده!.. ما تقدرش تخدمه وما تخلصاش لشهور.
يمكن أن أتفق معك في أن عقودا من العبث والفوضى الاقتصادية أنتجت مجتمعا غير منتج، وغير ملتزم بالمواعيد، وينبغي معالجة هذا… لكن مقارنة العامل الليبي بشخص مضطهد معدوم الحقوق.. هي مقارنة إجرامية.
عمر الإنسان محدود.. وعمره في صحة جيدة أقل بكثير.. ولا يجب أن يقضيه في الشقاء حتى ينال إعجابك.
توقفوا عن تحويل العبودية الصريحة إلى نموذج يجب الاحتذاء به.



