
* كتب/ مفيد أبومديس،
في ليبيـــا لم يعد الحديث عن محاربة الفساد يثير الدهشة بقدر ما يثير السخرية، خاصة عندما يتصدر هذه المعركة أشخاص ارتبطت أسماؤهم لسنوات بملفات مشبوهة وصفقات غامضة.
فبدل أن تكون الحرب على الفساد خطوة جادة نحو الإصلاح تحولت في كثير من الأحيان إلى وسيلة لتصفية الحسابات وإقصاء الخصوم.
المفارقة المؤلمة أن بعض من يرفعون شعارات النزاهة هم أنفسهم من استفادوا من غيابها. نراهم اليوم يتحدثون عن الشفافية والمساءلة، بينما لم يقدموا يومًا كشفًا واضحًا عن مصادر ثرواتهم أو أدائهم في المناصب التي تقلدوها. وهنا يتساءل المواطن الليبي: كيف يمكن لمن كان جزءًا من المشكلة أن يقود عملية الإصلاح؟
هذه الظاهرة تعكس أزمة أعمق في بنية الدولة، حيث تُستغل مؤسسات الرقابة أحيانًا كأدوات للصراع السياسي بدل أن تكون حصنًا لحماية المال العام. فتتحول ملفات الفساد إلى أوراق ضغط تُفتح في توقيتات محددة وتُغلق عندما تتحقق المصالح، مما يفقد الشارع ثقته في جدية هذه الحملات.
المواطن الليبي، الذي يعاني من تردي الخدمات وضعف البنية التحتية وتأخر المرتبات، لم يعد يكتفي بالشعارات. هو يدرك أن محاربة الفساد لا تكون بالمؤتمرات الصحفية ولا بالتصريحات الإعلامية، بل بإجراءات عملية تبدأ بتطبيق القانون على الجميع دون استثناء، وبإرساء مبدأ الشفافية والمحاسبة الحقيقية.
إن أخطر ما في هذه الظاهرة ليس فقط استمرار الفساد، بل تشويه مفهوم محاربته، مما يؤدي إلى إحباط عام وفقدان الثقة في مؤسسات الدولة. وعندما يفقد المواطن هذه الثقة، يصبح الحديث عن الإصلاح مجرد صدى لكلمات لا تجد طريقها إلى الواقع.
في الختام، تبقى معركة مكافحة الفساد في ليبيا مرهونة بوجود إرادة سياسية حقيقية ونخب وطنية نزيهة تؤمن بأن بناء الدولة لا يتم بالشعارات، بل بالعمل الجاد والمحاسبة العادلة. فمحاربة الفساد يجب أن تكون مشروع وطن، لا أداة في يد فاسدين يتنافسون على الغنائم تحت لافتة الإصلاح.



