
الناس-
قدم الأمين العام للأمم المتحدة تقريره عن تطورات المشهد في ليبيا إلى مجلس الأمن، مركّزا على الجمود السياسي والهشاشة الاقتصادية والخروقات الأمنية.
ويغطي التقرير الذي نشرته البعثة الأممية يوم الخميس (16 ابريل 2026م) الفترة من 28 نوفمبر 2025 إلى 31 مارس 2026م. وهو تقرير دوري يبنى على تقارير بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا.
في الخلاصات ينوه الأمين العام أن مجلسا النواب والدولة لم يحرزا أي تقدما ملموسا نحو إنجاز مهامهما للسير نحو الانتخابات وفق الخريطة التي تيسرها البعثة، وأوضح أن تصرفاتهما زادت من انعدام ثقة الجمهور بهما، حول استعدادهما للعمل من أجل المصلحة الوطنية.
أما في الملف الاقتصادي فأكد أن الاقتصاد الليبي مازال يواجه ضعفا بسبب ما وصفه بالتجزؤ المؤسسي والإنفاق غير المنسق والاعتماد المفرط على النفط.
وأعرب غوتيرش عن قلقه من تسييس القضاء، الأمر الذي يقوض إحدى ركائز الدولة حسب تعبيره.
واعتبر أن أول نقل لمشتبه به إلى الجنائية الدولية يعد خطوة إيجابية نحو تحقيق العدالة والمساءلة.
وفي ملف المهاجرين واللاجئين قال “يساورني بالغ القلق إزاء حالة المهاجرين واللاجئين في ليبيا والتقارير الواردة عن مراكز الاحتجاز غير الرسمية والمقابر الجماعية والوفيات المرتبطة بشبكات الاتجار والتهريب”.
المشهد السياسي
التقرير ابتدأ من وصف المشهد السياسي الذي عجز فيه مجلسا النواب والدولة عن إعادة تشكيل مجلس المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، وتعديل الإطار الانتخابي، وهما الخطوتان اللازمتان للشروع في الإعداد لعملية الانتخابات. فقد صوت مجلس النواب على تعيين ثلاثة أشخاص للمقاعد الشاغرة بمجلس المفوضية دون العودة لمجلس الدولة، الأمر الذي رفضه الأخير، وكانت ردة فعله أن صوت على تعيين رئيس وأعضاء جدد لمجلس المفوضية من ناحيته.
وإزاء هذا التباعد أعلنت البعثة الأممية أنها ستواصل العمل مع مجلس الإدارة الحالي.
أما تعديل الإطار الانتخابي وهو الخطوة الثانية المطلوبة من المجلسين، والتي تتولاها لجنة (6+ 6) المشكّلة من المجلسين مناصفة، فقالت البعثة إنها تلقت منذ (17 ديسمبر 2025) رسالة من رئيس مجلس الدولة يُخطرها فيها بتعيين ستة أشخاص جدد لتمثيل مجلسه، غير أن أعضاء من المجلس نفسه اعترضوا.
وللخروج من المأزق عرضت تيتيه أمام مجلس الأمن في 18 فبراير 2026 نهجا بديلا يتكون من خطوتين، الأولى عقد اجتماع مصغر للأطراف المعنية للتوصل لحل، فإذا استمر المأزق عقد اجتماع أوسع نطاقا.
وبالتوازي مع ذلك استمرت البعثة في عقد الحوار المهيكل ابتداء من (14 ديسمبر 2025م) بمشاركة (124) شخصا من مختلف أنحاء ليبيا، يمثل النساء منهم (35%). بالإضافة إلى تمثيل للشباب وذوي الاحتياجات الخاصة.
ومنذ ذلك الحين وحتى نهاية مارس يسرت البعثة تنظيم ثماني اجتماعات حضورية.
الحوار المهيكل
في الحوار المهيكل ركز المسار الاقتصادي على سبل تحسين إدارة المالية وموارد الدولة وإصلاح الإعانات وإعادة هيكلة الاقتصاد وتنويعه، ونمو القطاع الخاص، والتنمية العادلة لجميع المناطق.
وفي المسار الأمني قيم المشاركون مدى إمكانية إجراء الانتخابات في ظل وضع سياسي وأمني منقسم، فيما قاطع ممثلو الرئاسي ورئاسة أركان الجيش، واللجنة العسكرية (5+ 5) الحوار.
أما في مسار المصالحة وحقوق الإنسان فأكد المشاركون على حماية استقلال القضاء وحماية الحريات العامة والحيز المدني ومعالجة مسألة الاحتجاز التعسفي.
المؤسسة القضائية
وحول أزمة القضاء بعد أن استحدث مجلس النواب محكمة دستورية موازية في اختصاصاتها للدائرة الدستورية بالمحكمة العليا، ما أدى إلى انقسام في المؤسسة القضائية، فأشار التقرير إلى دعم البعثة الأممية لجهود وساطة قادتها لجنة وساطة مؤلفة من ثمانية خبراء قضائيين وقانونيين لتسوية الخلاف، وخرجت بتوصيات في السادس عشر من فبراير إلى مجلسي النواب والدولة.
بعدها بيومين بسط رئيس المحكمة العليا سيطرته على مقر المجلس الأعلى للقضاء في طرابلس، وفي ردة فعل قام رئيس المجلس المعين من النواب بنقل مقره إلى بنغازي، ليصبح هناك مجلسا موازيا لمجلس القضاء.
انقسامات وتوافقات
في تطورات المشهد السياسي أيضا ظهرت انقسامات داخل المجلس الرئاسي المكون من ثلاثة أعضاء، ففي الرابع من يناير 2026 تقدم نائبا الرئيس بطعن إدارة أمام محكمة استئناف طرابلس، في سبع قرارات أصدرها “المنفي” منفردا، غير أن المحكمة قضت في نفس اليوم بعدم الاختصاص.
وفي التعديلات الوزارية، شرعت الحكومة في 03 مارس في تعيينات وزارية جديدة، استمرت في الإفصاح عنها لأيام، وقد مررت بتأييد من رئيس المجلس الرئاسي ورئيس مجلس الدولة.
مشهد أمني هادئ نسبيا
ووصف “غوتيرش” المشهد الأمني بالهادئ نسبيا في مطلع العام الجديد بالمنطقة الغربية، باستثناء أحداث محدودة كتلك التي وقعت في جنزور في 13 فبراير.
أما في جنوب البلاد فقد استولى “ثوار الجنوب” على معبر التوم الحدودي مع النيجر، ونجم عن اشتباكهم من جماعة حفتر مقتل أكثر من (25) مقاتلا، وذلك في آخر يوم من يناير، وفي أول فبراير تبرأ مشائخ من التبو في بيان من الحراك المسلح، قبل أن تنفذ جماعة حفتر هجوما مضادا استعادت فيه مواقعها في المعبر في 25 فبراير.
وأشار الأمين العام إلى تقرير أصدره مكتب الأمم المتحدة في ليبيا في 12 يناير الماضي وصف فيه البلاد بأنها صارت مركزا رئيسيا لعبور تجار المخدرات والجريمة المنظمة والأسلحة.
المشهد الاقتصادي
وفي تفاصيل المشهد الاقتصادي، تحدث التقرير عن إذن مجلس النواب لمصرف ليبيا المركزي بتسوية أكثر من ثلاثمائة مليار دينار من الدين العام الداخلي، باستخدام مصادر إيرادات الدولة، وأعرب مجلس الأعلى للدولة عن رفضه.
ثم في 18 يناير نشر المركزي بيانا ماليا أشار فيه إلى أن الوضع النقدي متوازن بشكل عام، إذ بلغت الإيرادات حوالي (137) مليار دينار، غير أن المرتبات شكلت (80%) من النفقات، وسجلت عجزا في النقد الأجنبي يقدر بتسعة مليار دولار. فقرر خفض قيمة الدينار الليبي للمرة الثانية خلال تسعة أشهر بحوالي (14.7%). وارتفع سعر الصرف الرسمي إلى (6.37) دينار مقابل الدولار الأمريكي.
استمر الصرف في ظل عدم وجود ميزانية موحدة، واستمر الإنفاق الموازي، وارتفع سعر الصرف في السوق الموازي.
بالتزامن مع ذلك أقر النواب خطة إنمائية بقيمة (69) مليار دينار لصندوق التنمية وإعادة إعمار ليبيا، المستحدث، كما زاد مرتبات جيش حفتر بنسبة (150%). واكتفى مجلس الدولة بالتعبير عن الرفض.
في وقت ظل فيه إنتاج النفط مستقرا عن 1.4 مليون برميل يوميا، مع الإعلان عن عطاءات جديدة في يناير 2026م.
الدعم الانتخابي
كانت هذه هي الملفات الرئيسية في التقرير، وقد تحدث في جانب الانتخابات عن تنظيم المفوضية لاقتراع (12 بلدية بين ديسمبر 2025، وفبراير 2026م.
كما أكدت المفوضية عن استعدادها للبدء في تنظيم الانتخابات الرئاسية والبرلمانية في أبريل 2026 الجاري.
دعم الأمن وتنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار
تحدث التقرير أيضا عن لجنة (5+ 5) التي عقدت اجتماعا في تونس للحديث عن العقبات أمام انسحاب المرتزقة والقوات الأجنبية، مع تماسك اتفاق وقف إطلاق النار الموقع عليه في 2020م.
وغير بعيد عن الساحة، أظهر التقرير كيف أن الذخائر المتفجرة لازلت تشكل تهديدا خطيرا على المدنيين في جميع أنحاء البلاد، فأسفر في الفترة المشمولة بالتقرير حادثان في مصراتة وحادث في طرابلس وآخر في مساعد، عن مقتل اثنين وإصابة عشرة أشخاص.
وجرت إزالة ما مجموعه (3635) قطعة من الذخائر المتفجرة و(7483) طلقة من ذخائر الأسلحة الصغيرة بشكل آمن، حتى نهاية يناير 2026م.
المهاجرون واللاجئون
بالأرقام قدرت المنظمة الدولية للهجرة عدد المهاجرين واللاجئين الموجودين في ليبيا بما يتجاوز (939,638) شخصا حتى ديسمبر 2025م- يقول التقرير.
ويضيف: في مارس 2026 أعلنت مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين عن تسجيل (111,359) لاجئا في طرابلس من بينهم (91,568) سودانيا، في حين قدر عدد السودانيين الموجودين في ليبيا كلاجئين بحوالي (554,937) شخصا. يشكل النساء والأطفال (62%) منهم.
ومن المتوقع أن يصل عدد اللاجئين السودانيين ومواطني الدول الثالثة المقيمين في ليبيا إلى نحو ستمائة ألف بحلول نهاية العام 2026م، إلى جانب ما يقدر بنحو (70) ألف من أفراد المجتمعات المضيفة.
أما المهاجرون فقد سجلت الأشهر الثلاثة الأولى من 2026 وفاة (550) مهاجرا عبر البحر، وظلت طبرق مركزا رئيسيا للمغادرة.
تفجير الأضرحة
ومثير للانتباه أن أشار الأمين العام للأمم المتحدة إلى اختطاف (13) شخصا من أتباع الطرق الصوفية في مصراتة، في حادثة يبدو أنها لم تثر الرأي العام ولم يسمع بها كثيرون، عدا ما جرى من تدمير أضرحة وتدنيس قبور، وقد أشار إليه أيضا عند الحديث عن الفئات التي تعيش أوضاعا هشة حسب وصفه.
البعثة
في خاتمة التقرير أورد أن البعثة في ليبيا تتكون من (302) من الموظفين المدنيين، بين (100) ليبيين، و(198) دوليين، و(04) من متطوعي الأمم المتحدة.
كان من هؤلاء (274) متمركزين في طرابلس، و(22) في تونس العاصمة، و(05) في بنغازي، وواحد في سبها.



