اخباراقتصادالرئيسية

بعثة صندوق النقد الدولي: العجز المالي الكبير والتضخم وتآكل الاحتياطيات في ليبيا يستدعي تعديلا ماليا عاجلا

في البيان الختامي لموظفي بعثة التشاور بشأن المادة الرابعة لعام 2026

الناس-

وصفت بعثة صندوق النقد الدولي المسار المالي الحالي في ليبيا بأنه “غير مستدام”، مقررة أن “العجز المالي الكبير والمستمر يزيد من الضغوط على سعر الصرف والاحتياطيات الدولية والتضخم، مما يؤكد الحاجة إلى تعديل مالي عاجل”.

وأصدرت موظفو البعثة بيانهم الختامي الجمعة (10 ابريل 2026م) فحذروا فيه من عجز مالي بلغ (30%) من الناتج المحلي خلال العام 2025، وتضاعف الدين العام إلى (146%).

ووصف البيان الختامي -الذي نشر على موقع صندوق النقد الدولي- النتائج الأولية التي توصل إليها موظفو الصندوق بموجب المادة الرابعة من اتفاقية صندوق النقد الدولي، وذلك في سياق طلب استخدام موارد الصندوق (الاقتراض منه)، أو كجزء من مناقشات البرامج التي يرصدها الموظفون، أو كجزء من رصد الموظفين للتطورات الاقتصادية.

وتوقع أن “يؤدي ارتفاع عائدات النفط الحالية، في حال إنفاقها، إلى زيادة هشاشة الوضع في ليبيا، إذ سيصعب تعديل الإنفاق بمجرد عودة أسعار النفط إلى مستوياتها الطبيعية. لذا، ينبغي ادخار هذه المكاسب غير المتوقعة لإعادة بناء الاحتياطيات، واستغلال الحيز المالي المؤقت لتسريع وتيرة الإصلاحات”.

واعتبر الموظفون أن الإجراءات التي يتخذها مصرف ليبيا المركزي –في غياب الانضباط المالي- لا يمكن أن توفر سوى راحة مؤقتة.

وأجرت بعثة الصندوق مناقشات مع ليبيا في تونس العاصمة في الفترة من (30 مارس – 08 أبريل 2026م) تمهيدا لمشاورات المادة الرابعة لعام 2026م. وخصلت إلى أن الإمكانيات الاقتصادية “الهائلة” في ليبيا وموقعها الاستراتيجي، وإمكانيات القطاع الخاص غير المستغلة، بإمكانها –إذا ما أديرت بحكمة وكفاءة- أن ترسي أساسا متينا لنمو اقتصادي مستدام وشامل واستقرار اقتصادي كلي.

النقد الدولي: الإمكانيات الاقتصادية “الهائلة” لليبيا بإمكانها أن ترسي أساسا متينا لنمو واستقرار اقتصادي كلي..لو

وحذر من أن الإنفاق العام تجاوز المستويات المستدامة بكثير، بعد أن بلغ العجز (30%) من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2025، مع تضاعف الدين العام خلال العامين الماضيين إلى (146%) من الناتج الإجمالي. وارتفاع التضخم، مما أدى إلى انخفاض القدرة الشرائية وتراجع مستويات معيشة السكان. وأثر على استقرار سعر الصرف.

كما حذر من استمرار الاعتماد على خفض قيمة العملة، والتدابير الإدارية، وسحب الاحتياطيات لإدارة الضغوط، لأن ذلك “سيؤدي إلى ارتفاع التضخم بشكل مستمر، واستنزاف إضافي للاحتياطيات الخارجية، وتزايد تشوهات السوق، وضعف نشاط القطاع الخاص”.

واعتبر التقرير أن ارتفاع أسعار النفط الأخير يمثل فرصة يتطلب اغتنامها لادخار العائدات والمضي في الإصلاحات المالية، لكنه في الوقت نفسه يشكل خطرا إن لم يدار بحكمة، كونه غير مستدام.

**التوقعات والمخاطر

توقع خبراء الصندوق أن يشهد الاقتصاد الليبي نموا على المدى القريب، مدعوما بالإنفاق المالي الضخم، لكن الإنفاق المرتفع سيضغط –وفقهم- على سعر الصرف، مما سيؤدي لتآكل الاحتياطيات إلى مستويات حرجة على المدى المتوسط.

ونصحوا بالحفاظ على المكاسب الحالية من عائدات النفط، وترشيد الإنفاق، وزيادة الاستثمارات الإنتاجية، لأجل المساعدة في استقرار الموازين المالية والخارجية، وتحسين آفاق النمو.

** مفتاح استعادة الاستقرار

ويقرر خبراء المادة الرابعة أن الحل الأمثل لاستعادة الاستقرار الكلي للاقتصاد يتمثل في ضبط الأوضاع المالية، وإجراء تعديل حاسم للحد من الاختلالات واستعادة الثقة. موضحين أن ليبيا تملك مجالا واسعا لتعزيز وضعها المالي وذلك من خلال:

  1. الإصلاحات الضريبية، بالإعفاء التدريجي للإعفاءات الضريبية، إلى جانب زيادة الرسوم الجمركية والضرائب لتتماشى مع المعايير الإقليمية، وإذ “يرحب الموظفون بالقرار الأخير بإلغاء ضريبة الصرف الأجنبي، ويؤكدون على ضرورة تعويض ذلك فورًا من خلال الرسوم الجمركية والضرائب غير المباشرة على الواردات لمنع تجدد الضغوط في سوق الصرف الأجنبي”.
  2. ترشيد الإنفاق، إذ يوصي التقرير بإصلاح إعانات الطاقة “الذي طال انتظاره”، وتفعيل منصة الراتب الفوري للحد من الفساد وتقوية الرقابة.
  3. الاستثمارات الإنتاجية، ينبغي أن تستند إلى خطة شفافة، متعددة السنوات ذات أولويات محددة، تتوافق مع الحيز المتاح وقدرة الاقتصاد على الاستيعاب.
  4. وضع ميزانية “موثوقة” تستند على افتراضات حكيمة بشأن أسعار النفط على المدى المتوسط، مع وضع سقوف إنفاق ملزمة وضوابط التزام أقوى، وتحسين إدارة السيولة النقدية.
  5. الشفافية الكافية فيما يتعلق بتكوين وتمويل ميزانية الجزء الشرقي من البلاد، لأن غيابها يقوض المساءلة ويضعف الرقابة على الاستخدام الأمثل للموارد العامة.

** السياسة النقدية. ضرورية ولكن..

رحب التقرير بتقارب سعر الصرف الرسمي نحو قيمته المتوافقة مع أساسيات الاقتصاد الكلي، لكنه نبه إلى أن تعديل سعر الصرف لا يمكنه أن يحل محل الضبط المالي المطلوب، أو يعوض الأثر الاقتصادي الكلي للعجز المالي الكبير.

النقد الدولي: العجز المالي بلغ (30%) من الناتج المحلي والدين العام تضاعف إلى (146%)

لذلك طالب بتعزيز إطار السياسة النقدية لأجل “توفير المزيد من الأدوات لإدارة الاختلالات الاقتصادية الكلية”. مثنيا على استحداث شهادات الاستثمار المتوافقة مع الشريعة الإسلامية، لكنه أكد على أن تعزيز استقلالية المصرف المركزي وقدرته على تنفيذ مهامه الأساسية سيكون حاسمًا للحفاظ على استقرار الاقتصاد الكلي.

** القطاع المالي

كان مبعث ارتياح لفريق خبراء البنك الدولي قيام المصرف المركزي بإعداد تقرير الاستقرار المالي، وتوجهه نحو اعتماد قانون جديد للقطاع المصرفي. فمراجعة الاستقرار ستتيح فرصة لتقييم مواطن الضعف ودفع عجلة الإصلاحات وإدارة الأزمات.

وبعث على ارتياحهم -أيضا- تقدم المركزي في تعزيز الشمول المالي، ومعالجة نقص السيولة، وإعادة تفعيل مكاتب الصرافة والتحول الرقمي. معتبرين أنها خطوات ساهمت في دعم الوصول للخدمات المالية وتحسين كفاءة المدفوعات. وطالبوا بمزيد من الجهد لتعزيز موثوقية البنية التحتية، وتوسيع نطاق الوصول إلى الفئات السكانية المحرومة، وتعزيز حماية المستهلك”.

ودعا معدو التقرير إلى رفع القيود عن “الوساطة المالية” على تقدير أن الائتمان الممنوح للقطاع الخاص مقيد فعليا للحد من ضغوط النقد الأجنبي، وأن قدرة البنوك على دعم النشاط والتجاري والاستثمار محدودة. على الرغم من وجود فائض السيولة.

** الإصلاحات الهيكلية المطلوبة

طالب التقرير بتقليل اعتماد ليبيا الكبير على النفط، وتعزيز وضعها المالي، وتحسين الحوكمة، وتقوية المؤسسات، وتنشيط القطاع الخاص. ولتحقيق هذه الأهداف ينبغي التالي:

أولا/ أطر لمكافحة الفساد أكثر صرامة، وإصلاحات الحوكمة، بما في ذلك في قطاع النفط.

ثانيا/ تحسين بيئة الأعمال، بما في ذلك تعزيز سيادة القانون، وتبسيط إجراءات التراخيص والجمارك، وتعزيز الوصول إلى التمويل، وتحسين إنفاذ العقود.

ثالثا/ معالجة تشوهات سوق العمل من خلال إصلاح التوظيف في القطاع العام، والتعليم وتنمية المهارات، والسياسات النشطة لدعم خلق فرص العمل في القطاع الخاص، مع وضع إطار قانوني للعمال الأجانب.

رابعا/ معالجة نقاط ضعف المؤسسات المملوكة للدولة – من خلال تعزيز أطر الحوكمة، وتحسين التقارير المالية والإفصاح، وترتيبات الملكية الأكثر وضوحاً، وإعادة الهيكلة التدريجية أو التسويق التجاري للكيانات غير القابلة للاستمرار.

خامسا/ تُعدّ الجهود المبذولة لتعزيز إطار مكافحة غسيل الأموال وتمويل الإرهاب موضع ترحيب، لا سيما قبيل التقييم المرتقب من قبل مجموعة العمل المالي (FATF). ويُمثّل اعتماد قانون مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب بما يتماشى مع المعايير الدولية أولوية ملحة لحماية نزاهة النظام المالي. كما أن توجيه الواردات عبر النظام المصرفي من شأنه أن يُسهم في تحسين الشفافية والحدّ من التدفقات المالية غير المشروعة.

** تنمية القدرات

وأوصى التقرير في ختامه بوجوب بناء القدرات لدعم أجندة الإصلاح في ليبيا، كما أوصى باستمرار تقديم المساعدة التقنية في إدارة المالية العامة، وتحليل الاقتصاد الكلي والمالي، وإدارة الإيرادات، والعمليات النقدية.

النقد الدولي: الإجراءات التي يتخذها مصرف ليبيا المركزي –في غياب الانضباط المالي- لا يمكن أن توفر سوى راحة مؤقتة

وطالب بتحسين جودة البيانات وتغطيتها فيما يتعلق بإحصاءات القطاع الحقيقي والأسعار، فضلًا عن إحصاءات القطاعات الخارجية والمالية والنقدية، من أجل وضع سياسات سليمة.

وفي هذا الصدد عرض تقديم المساعدة من صندوق النقد الدولي لدعم هذه الجهود.

** تعقيب

من المتوقع أن تجتمع البعثة التالية بموجب المادة الرابعة في ربيع عام 2027.

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى