
الناس-
في جلستها المنعقدة بتاريخ 28 يناير 2026، أصدرت الدائرة الدستورية بالمحكمة العليا في ليبيا أحكاماً تقضي بعدم دستورية أربعة قوانين رئيسية كانت قد صدرت عن مجلس النواب.
شملت هذه القوانين التي تم إبطالها ما يلي:
القانون رقم (1) لسنة 2020: وهو القانون الذي نص على إلغاء كافة القوانين والقرارات الصادرة عن المؤتمر الوطني العام بعد تاريخ 3 أغسطس 2014 .
المادة الأولى من القانون رقم (22) لسنة 2023: المتعلق بتعديل أحكام قانون نظام القضاء، والذي منح مجلس النواب صلاحية تعيين رئيس المجلس الأعلى للقضاء.
المادتين الأولى والثانية من القانون رقم (32) لسنة 2023: وهو تعديل إضافي لقانون نظام القضاء، تضمن إلزام رئيس المجلس الأعلى للقضاء المعين من البرلمان بأداء اليمين القانونية أمام رئاسة مجلس النواب.
والمادة الأولى من القانون رقم (6) لسنة 2015: المعروف بقانون “العفو العام”
كما أبطلت المحكمة المادة رقم 1 من القانون 14 لسنة 2013 بتعديل أحكام قانون نظام القضاء.
ما الأثر لهذه الأحكام؟
من أهم ما يترتب على هذه الأحكام عودة رئاسة المجلس الأعلى للقضاء إلى رئيس المحكمة العليا “عبدالله أبورزيزة” بدلا من “مفتاح القوي”، وقد كان هذا الأثر بالذات مدار الجدل الذي أعقبه والزوبعة التي ثارت حوله، إذ خرج أعضاء بالهيئات القضائية في مظاهرات احتجاجية، وأصدروا بيانا ضد الأحكام المشار إليها.
وهو الأمر الذي علق عليه المحامي أسامة أبوناجي بالقول: “مدونة أخلاقيات وسلوك أعضاء الهيئات القضائية ألزمت القاضي بصيانة استقلال القضاء، وترسيخ الثقة العامة فيه، وتجنّب كل سلوك يُفهم منه ضغط أو تحريض أو انتقاص من هيبة الأحكام القضائية.
إدخال القضاء في الاصطفافات
وعليه –يتابع- فإن التظاهر أو التصعيد العلني ضد حكم دستوري قد يُعد مخالفة صريحة للمدونة متى تحققت إحدى هذه الصور:
تحوّل الفعل إلى أداة ضغط أو تعبئة ضد حكم واجب الاحترام.
التعليق العلني على أحكام أو قضايا بما يمس صفة الإنصاف أو يثير الشك في الحياد.
الإخلال بواجب التحفظ عند ممارسة حرية التعبير والاجتماع، بما يُفهم كتسييس للقضاء.
الظهور بمظهر الانحياز أو الاصطفاف في نزاع ذي أبعاد سياسية أو اجتماعية.
الإضرار بهيبة القاضي وثقة الناس في العدالة، وهي ركيزة أساسية في المدونة.
استغلال الصفة أو الهيبة القضائية للتأثير في الرأي العام أو صناعة نفوذ.
إدخال القضاء في ساحات الاصطفافات والاعتبارات غير القانونية، خلافًا لفلسفة التحفظ والابتعاد عن مواطن الشبهة.
المحكمة ولوثات السياسة
المحامي وسام الصغير علق على صفحته مستنكرا: “لا يعد مساسا باستقلال القضاء تعيين رئيس المجلس من قبل السلطة التشريعية، ويعد اعتداء صارخا وانتهاكا لاستقلاله ترؤس المجلس من قبل رئيس المحكمة العليا!
وأوضح الصغير: “”بالأمس استمعت إلى عدد من البيانات الصادرة عن بعض أعضاء الهيئات القضائية، وكانت في مجملها تؤكد على أربع مسائل مهمة كضمانة من ضمانات التقاضي وعدالة الأحكام وإنصافها، وهي: (استقلال القضاء وحيادة ونزاهته ووحدته)، وبذلك فإنها جاءت بتأييد الاحكام الصادرة عن المحكمة العليا، التي وبغض النظر عن لوثات السياسة جاءت لتأكيد الفصل بين السلطة القضائية والسلطة التشريعية، بعد إنهاء مكنة تعيين وعزل رئيس المجلس الأعلى للقضاء من قبل السلطة التشريعية، كما أنها سارت في اتجاه تعزيز مبدأ حيدة ونزاهة ووحدة سلطة القضاء بعد ان عاد ممثلو محاكم الاستئناف في كل البلاد وبتوزيع جغرافي عادل لأربع عشرة محكمة استئناف في شرق البلاد وجنوبها وغربها ممثلين لقضاة الموضوع في المجلس، بعد أن تم إقصاؤهم تماماً في القوانين الملغاة من الدائرة الدستورية بالمحكمة العليا”..
وعقب قائلا: “هذا فهم موضوعي ظاهري بعيدا عن المواقف الشخصية، إلا إذا كان من أصدر تلك البيانات له فيها مآرب أخرى”.
مشهد استنثائي
الدكتور أحمد توفيق يعقوب كان له إدراج هو الآخر قال فيه: “حين ترى عضو الهيئة القضائية في ساحة التظاهر والاحتجاج، فأنت أمام مشهدٍ استثنائي بكل معنى الكلمة !!
لأن هذا العضو بطبيعته لا يُخاصِم في الشارع، بل يُحاجِج في محراب القانون.
لذلك فإن أي خروجٍ باسمه يفترض أن يكون محسوبًا، ومستقلًا، ومعبّرًا عن موقفٍ مهني صادق.
لكن ما يجعل المشهد أكثر خطورة من أصل الاحتجاج، أن يُوزَّع على المتظاهرين البيان نفسه، بالنص ذاته، وبالعبارات ذاتها، وبالنبرة ذاتها، بل وتتكرر نفس الأخطاء في قراءة الآية المفتتح بها البيان، في سياق رفض حكم الدائرة الدستورية!!”
سؤال يقابل بسؤالين
وفي إطار التفاعل طرح أحدهم سؤالا، لماذا لم تؤجل الدائرة الدستورية أحكامها حتى لا يحدث الانقسام؟ ورد عليه المحامي ناصر هدية بسؤالين: “من يحكم الآخر القضاء أم السياسة؟ ومن يوقف قرار الآخر القاضي ام الحاكم؟
عبدالحفيظ غوقة نقيب المحامين الأسبق هاجم البرلمان بقوله: “عندما عبث البرلمان بقانون نظام القضاء بتعديلات معيبة متلاحقة نالت من استقلال السلطة القضائية وتدخلت في تشكيل مجلسها الأعلى، لم نسمع من يحتج أو يرفض ممن تعالت أصواتهم اليوم خاصة من رجال القضاء والنيابة ضد حكم الدائرة الدستورية بالمحكمة العليا بخصوص قانون نظام القضاء، والذي أعتقد جازما أنه أعاد الاعتبار لسلطة القضاء ووضع حدا لتدخل السلطة التشريعية في أعمالها والعبث بنظامها ومجلسها الأعلى” .
القانون لم يتم التصويت عليه
المحامي فيصل الشريف سرد جانبا مما حدث منذ إصدار قانون تكليف المستشار “مفتاح القوي” رئيسا للمجلس الأعلى للقضاء، وأوضح أن القوي كان مدير لإدارة التفتيش على الهيئات القضائية عندما أصدر له عقيلة صالح القانون رقم 11 لسنة 2021 بصفته، “وهذا لا يجوز من الناحية القانونية، لأن هناك تعارض بين الوظيفتين”- يقول الشريف.
وأضاف الشريف بأن “عقيلة أراد أن يلعبها كورقة سياسية، فسحب هذا المنصب من رئيس المحكمة العليا محمد الحافي وأعطاها لمدير إدارة التفتيش على الهيئات القضائية”.
ومهم جدا ما سرده المحامي الشريف من أن النائب الأول لرئيس مجلس النواب قد صرح بأن قانون تعيين “القوي” لم يتم التصويت عليه داخل مجلس النواب، وأن عقيلة أراد أن يخلق واقعا”.
عندما صدر حكم عن الدائرة الدستورية بعدم دستورية هذا القانون رفض “القوي” الانصياع له، واستمر في منصبه، ثم ذهب إلى عقيلة صالح ليصدر له قانونا جديدا هو القانون رقم 22 لسنة 2023 لكي يثبته في منصبه من جديد!
ثم أصدر له قانون 32 لسنة 2023 بشأن إعادة تشكيل المجلس الأعلى للقضاء.
لماذا يصر عقيلة على هذا القانون؟
يعلق الشريف بأن المنصب من أخطر ما يكون في الحالة الليبية الراهنة، “لأن لديه طبيعة سياسية يتحرك فيها، وعقيلة لا يتمسك به اعتباطا”، ويتابع: “خطورة المنصب، نقرأها في تصريحات لعقيلة صالح عندما دعا إلى تشكيل لجنة محايدة للإشراف على الانتخابات يكون على رأسها رئيس المجلس الأعلى للقضاء، فهو يريد اللعب بهذه الورقة، وهذه ورقة غير محايدة بهذه الطريقة، كما أن من سيقوم بوضع اللائحة المتعلقة بالطعون وسير العملية الانتخابية هو المجلس الأعلى للقضاء، فهل بالإمكان أن نأتمن العملية الانتخابية للجنة كلفت بهذه الطريقة؟”
ألا يدعو الأمر للتوقف والعمل بشكل عقلاني- يتساءل أخيرا.
كيف سنحترم القضاء؟
المحامي عمر الحباسي كتب يقول: “حينما يتظاهر رجال القضاء على القضاء فقد حل البلاء”.
وتابع في مرارة ظاهرة: “فإذا تظاهر رجال القضاء ضد أحكام القضاء ولا سيما أحكام الدائرة الدستورية بالمحكمة العليا (..) فإن ذلك نذير شؤم، فكيف نطالب العامة باحترام أحكام القضاء إذا كان رجال القضاء يحتجون على حكم الدائرة الدستورية بالمحكمة العليا”.



