
عبدالوهاب منصور- الناس–
تزخر مدينة مصراتة بعدد من المواقع التاريخية والأثرية التي تعكس تعاقب الحضارات والأدوار التي اضطلعت بها المنطقة عبر مختلف العصور، غير أن كثيرًا من هذه المواقع ما يزال بحاجة إلى مزيد من الدراسة والتوثيق والحماية.
وفي هذا السياق زارت صحيفة “الناس” أحد هذه المواقع، وهو موقع “سيدي مرباط” الواقع شمال المدينة، في جولة علمية صحفية، رافقها كل من الدكتور محمد بن صلاح، أستاذ التاريخ، والدكتور عبد العظيم معيتيق، أستاذ الجغرافيا، بهدف استكشاف معالم الموقع وتسليط الضوء على قيمته التاريخية والأثرية.

ويقع رباط “سيدي مرباط” على بعد نحو 4.5 كيلومترات شمال مركز مدينة مصراتة، فوق مرتفع يشرف مباشرة على البحر، في موقع يجمع بين الأهمية الاستراتيجية والطابع الروحي.
من هو “مرباط”؟
بحسب الباحث الدكتور أحمد اسبيطة، تعود تسمية المكان إلى “الشيخ محمد مرباط الحسيني”، الذي رابط في هذا الموضع واستقر به، حتى غدت صفة “مرباط” ملازمة لاسمه، ثم امتدت التسمية لتشمل المنطقة المحيطة بالموقع والشاطئ المقابل له، تخليدًا لذكرى أحد أعلامها الذين جمعوا بين العلم والمرابطة في سبيل الله.
ويكتسب الموقع أهميته من ارتباطه بوظيفة الرباطات في الحضارة الإسلامية، وهي منشآت أدت دورًا مزدوجًا جمع بين الدفاع والعبادة. فمن جهة، اضطلعت الرباطات بمهمة مراقبة السواحل ورصد تحركات الأعداء والتصدي للغارات البحرية، ومن جهة أخرى كانت مراكزا للعلم والتعليم والاعتكاف والخلوة والعبادة.
من عهد الأغالبة
ويشير كتاب “تاريخ البحرية الإسلامية في المغرب والأندلس” إلى أن المسلمين نظروا إلى الرباطات والمنارات الساحلية بوصفها ثغورًا إسلامية، يُعد الرباط فيها من أعمال الجهاد والقربات الدينية، الأمر الذي أدى إلى انتشارها على امتداد السواحل الليبية وسواحل المغرب الإسلامي منذ فترات مبكرة من التاريخ الإسلامي.

كما تذكر الباحثة حميدي مليكة، في دراستها “الرباطات البحرية ودورها في الدفاع عن سواحل المغرب الإسلامي”، أن هذه المنشآت بلغت ذروة ازدهارها خلال العصر الأغلبي (184–296هـ/800–909م)، حيث خضعت لتنظيم وإدارة موحدة ضمن منظومة دفاعية امتدت على طول الساحل الجنوبي للبحر المتوسط من الإسكندرية شرقًا إلى سبتة غربًا. فيما يبدو أن “سيدي مرباط” كان أحد هذه الرباطات التي يعود تاريخها إلى تلك الفترة، مع “سيدي أبو شعيفة” و”سيدي بوفاطمة” و “سيدي بومدفع” التي تمتد على طول ساحل مدينة مصراتة، مطلة على البحر.
عمارة إسلامية
من الناحية المعمارية، أوضح الدكتور محمد بن صلاح أن رباط سيدي مرباط يمثل نموذجًا مميزًا للعمارة الإسلامية التقليدية في المنطقة، ويتجلى ذلك في الانتقال الهندسي المتقن من القاعدة المربعة إلى الرقبة المثمنة التي تعلوها قبة دائرية. ويعكس هذا التكوين أساليب البناء المحلية والحلول الإنشائية المتوارثة، كما يكشف عن تفاعل العمارة التاريخية مع البيئة المحيطة، الأمر الذي يجعل من المبنى نموذجًا مهمًا لدراسة تطور العمارة في المنطقة عبر العصور، خاصة وأنه ربما يكون قد تعرض للترميم أو التطوير وإعادة البناء في فترات متعاقبة.
هدم الضريح
غير أن الضريح لم يسلم من الأضرار التي لحقت بعدد من المعالم التاريخية في المدينة، إذ تعرضت قبّته للتخريب في ديسمبر 2017م، ضمن موجة التخريب والتفجير التي استهدفت عددًا من المقامات والأضرحة، ما أدى إلى تهدم أجزاء واسعة منها.
صهاريج رومانية مدفونة
وخلال الجولة، أطْلع الدكتور عبد العظيم معيتيق فريق الصحيفة على منشأة أثرية تقع إلى الغرب من الضريح، لم تحظَ -بحسب المشاركين في الزيارة- بدراسة أو استكشاف علمي كافٍ في السابق.
وبعد النزول إليها تبين أنها تتكون من غرفتين طوليتين تحت سطح الأرض، يبلغ طول كل منهما نحو خمسة أمتار وعرضها قرابة مترين، فيما يرتفع سقفها المقوس إلى نحو مترين، وتتصل الغرفتان بفتحة دائرية تؤدي إلى سطح الأرض.

ويرى الدكتور محمد بن صلاح أن المؤشرات المعمارية كافة تدل على أن هذه المنشأة تمثل صهريجًا للمياه يعود إلى الحقبة الرومانية، وتنسجم خصائصه المعمارية مع عدد من الصهاريج الرومانية المكتشفة في إقليم المدن الثلاث، ومن بينها صهريج دحمان بمدينة صبراتة، إذ تتشابه هذه المنشآت في اعتماد السقف البرميلي المقوس واستخدام الأحجار المحلية والأحجار الصغيرة غير المهذبة في البناء، وإن كان صهريج دحمان أكبر حجمًا.
ويتميز صهريج سيدي مرباط ببقاء هيكله المعماري في حالة جيدة إلى حد كبير، رغم ما تظهره جدرانه من آثار عبث وإضرام للنيران داخله، الأمر الذي يبرز الحاجة إلى توثيقه وحمايته، بوصفه شاهدًا مهمًا على نظم تجميع المياه وتقنيات الهندسة المائية في العصور القديمة.
وبذلك يكتسب موقع سيدي مرباط قيمة أثرية وتراثية استثنائية تجسد استمرارية الاستيطان البشري والتداخل الحضاري عبر العصور. ففي نطاق مكاني واحد يجتمع صهريج روماني يمثل نموذجًا متكاملًا لمنشآت تخزين المياه في إقليم المدن الثلاث، ورباط إسلامي يعكس تاريخ الدفاع الساحلي ونشاط العلماء والعباد، وضريح إسلامي يجسد ملامح العمارة الجنائزية التقليدية في المنطقة. وتمنح هذه العناصر مجتمعة الموقع أهمية علمية كبيرة، بوصفه مادة بحثية ثرية للدارسين والمهتمين بتاريخ مصراتة وتراثها الحضاري المتنوع.

دعوة لحماية الموقع وتسجيله
وقد رصد فريق الصحيفة مظاهر الإهمال والتعديات التي طالت الموقع، وما تعرض له من عبث يهدد قيمته التاريخية والأثرية. ومن هذا المنطلق، تدعو صحيفة الناس الجهات المعنية، وفي مقدمتها بلدية مصراتة، إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لحماية الموقع والحفاظ عليه، والعمل على تسجيله ضمن المواقع التاريخية والأثرية بالمدينة، بما يضمن صونه للأجيال القادمة والاستفادة منه بوصفه شاهدًا على الإرث الحضاري المتنوع الذي تزخر به المنطقة.



