
* كتبت/ هدى محمد يوسف الشاوش،
نسيت المدينة كيف تتنفس.
مشيت فيها مرة، أو مرات، لا فرق، فالوقت هنا ليس له طعم. الأبراج تتراص كمرايا تحدق في بعضها، تعكس الكمال حتى ملت السماء من شكلها.
كنت أقف على جسر يربط بين برجين متطابقين، أنظر إلى انعكاسي في الزجاج، فلا أرى نفسي، أرى آلاف النسخ مني ممتدة إلى ما لا نهاية. شعرت للحظة أنني لست شخصًا واحدًا، أنا جموع من الوجوه المتشابهة، وكلها تبتسم بالطريقة ذاتها.
الوجوه في هذه المدينة منحوتة، لم تولد من أرحام النساء.
رأيت طفلة في الثالثة من عمرها تمسك بمرآة صغيرة، تدرب ابتسامتها كما لو أنها تؤدي امتحانًا. نظرت إليها، فالتفتت أمها وقالت: “إنها تتدرب على صورة المدرسة، الكل يجب أن يكون جميلاً”. أردت أن أقول لها: “دعيها تكون قبيحة مرة، دعيها تعبس، دعيها تبكي، دعيها تكون حقيقية”. لكني صمت. من أنا لأقول شيئًا؟
الضحكات هنا تدرس في معاهد خاصة. نعم، سمعت بهذا. معاهد لتعليم الضحك. ضحكات للعمل، ضحكات للمناسبات، ضحكات للصور.
حتى المطر ينزل بموعد محدد في النشرة الجوية، لا يتأخر دقيقة، ولا يزيد قطرة. كنت صغيرًا حين كان المطر يأتي بغتة، يبللنا ونحن نركض، كنا نضحك من قلوبنا. الآن، الناس يحملون مظلاتهم قبل أن يهطل بساعة.
كل شيء يلمع، يتلألأ، يصرخ بالجمال. لكن لا شيء يحيا.
كنت أمشي في شارع التسوق الكبير، المحلات كلها تبيع أشياء براقة، عطورًا زجاجية، ساعات ذهبية، أثاثًا كأنه من قصور الأحلام. وقفت أمام واجهة عرض، رأيت دمية تتحرك، تبتسم، تلوح بيدها. ظننتها حقيقية للحظة، لكنها كانت مجرد آلة.
عندها تذكرت إلياس.
—
إلياس كان جاري في العمارة القديمة. تلك العمارة الوحيدة في الحي التي لم يهدمها أصحاب المشاريع. قالوا إنها تشوه المنظر، إنها عيب في جبين المدينة الجميلة. لكنها صمدت، كشيء عنيد يرفض الموت.
كان يسكن في الطابق العلوي، في غرفة على السطح. لم أكن أعرف اسمه في البداية. كنت أراه صباح كل يوم ينزل الدرج المكسور، حذاؤه الملطخ بالطلاء يحدث صريرًا مع كل خطوة. كان يمشي ورأسه مرفوع إلى السماء، كأنه ينتظر شيئًا لا يراه غيره.
لم أكن الوحيد الذي لا يراه. الناس كلهم لا يرونه.
ملابسه المهترئة، عيناه الحالمة، يداه الملطختان بالألوان، كلها أشياء لا تراها عيون المدينة. هنا يرون فقط اللامع، الجديد، المثالي. إلياس كان خارج هذا كله. كان خارج الزمن.
في أحد الأيام، صعدت إلى سطح العمارة. لا أدري لماذا. ربما لأني شعرت بالاختناق في شقتي الصغيرة، تلك الشقة التي تشبه كل الشقق، بجدرانها البيضاء وأثاثها المطابق للصور في المجلات.
فتحت باب السطح، فإذا بي أمام عالم آخر.
كان السطح حديقة صغيرة، لكنها ليست كالحدائق المرتبة في المدينة. هنا كانت النباتات تنمو كيفما اتفق، بعضها يابس، وبعضها مزهر، والأصص كلها مختلفة الأحجام والألوان. وفي الزاوية، كانت غرفة إلياس. بابها الخشبي قديم، مقبضها من حديد صدئ.
وقفت أنظر، ففتح الباب.
كان إلياس واقفًا ينظر إليّ. لم يسأل من أنا، لم يقل شيئًا. فقط ابتسم ابتسامة خفيفة، ثم أشار لي بالدخول.
دخلت.
الغرفة صغيرة، لكنها كانت ممتلئة إلى آخرها. لوحات قماشية على الجدران، على الأرض، حتى على السقف. بعضها معلق، وبعضها مسند إلى الكراسي، وبعضها ملقى كأنه نسي. قصائد مجعدة في كل مكان، أوراق صفراء مكتوبة بخط يد مرتجف. رائحة زيت التربنتين والمطر تفوح من كل زاوية. ليس المطر الذي ينزل بموعد، بل مطر قديم، له رائحة الذكريات.
تقدمت خطوة، ونظرت إلى إحدى اللوحات. كانت امرأة تبكي، لكن دموعها كانت من ذهب. لا أدري كيف رسم هذا، الألوان تتداخل كأنها حية، كأنها تتنفس.
التفتُّ إليه، فوجدته يجلس على كرسي خشبي، يشعل سيجارة وينظر إليّ بصمت.
“أنت من ترسم هذا؟” سألته.
أومأ برأسه.
“لماذا لا تعرض لوحاتك في المعارض؟ إنها جميلة”.
ضحك ضحكة هادئة، ثم قال: “هي ليست جميلة. هذا هو المشكل. هي حقيقية، والحقيقة ليست جميلة دائمًا”.
جلست على الأرض أمامه، وشعرت أن هذه الغرفة هي أول مكان في المدينة لا يخنقني.
منذ ذلك اليوم، صرت أصعد إلى السطح كلما ضاقت بي الدنيا. كنا نجلس صامتين أحيانًا، نتحدث أحيانًا.
حدثني عن طفولته، عن أبيه الذي كان نجارًا، عن أمه التي كانت تغني أثناء غسل الصحون. قال إنه تعلم الرسم من خربشات أبيه على الخشب، وتعلم الموسيقى من غناء أمه. قال إن المدينة لم تكن هكذا من قبل. كانت هناك أسواق شعبية، كانت هناك مقاهٍ صغيرة، كان هناك باعة متجولون يصرخون بأصواتهم لا بمكبرات الصوت. كان الناس يتحدثون مع بعضهم، يختلفون، يتصالحون، يعيشون.
“ثم ماذا حدث؟” سألته.
نظر إلى البعيد، إلى الأبراج الزجاجية الممتدة تحتنا، وقال: “جاء الكمال. جاءت الآلات التي تفعل كل شيء أفضل منا. صار الخطأ عيبًا، صار الاختلاف مشكلة، صار كل شيء يجب أن يكون كما في الإعلانات. فماتت المدينة”.
—
مرة، حدثني عن ميرا.
قال إنها موسيقية، كانت تغني في المقاهي الصغيرة قبل أن تختفي. كان صوتها دافئًا، به بعض الخشونة، بعض الارتجاف. كان الناس يبكون حين يسمعونها. ثم جاءت شركة الإنتاج الكبرى، عرضوا عليها أن تصبح مشهورة. وافقت.
الآن هي تغني في المسارح الكبيرة، لكن صوتها صار ناعمًا جدًا، مصقولًا جدًا، مثل الزجاج. لا أحد يبكي حين يسمعها. يصفقون فقط.
“هل رأيتها مؤخرًا؟” سألته.
قال: “نعم. أراها كل أسبوع في المكتبة القديمة. تجلس هناك وحدها، تضع سماعاتها، لكنها لا تستمع. تنظر إلى الفراغ”.
سألته يومًا: “لماذا تذهب إلى المكتبة؟ كل شيء موجود على الشاشات”.
نظر إليّ وقال: “الكتب لها رائحة. الصفحات تتحرك تحت أصابعك. يمكنك أن تكتب على الهامش، أن تضع علامة، أن تطوي زاوية الصفحة لتتذكر مكانك. الشاشات لا تحب اللمس، تخاف من بصماتنا”.
في أحد الأيام، طلبت منه أن يريني لوحته الجديدة. تردد قليلاً، ثم أخرجها من تحت السرير.
كانت لوحة صغيرة، لا تتجاوز حجم كتاب. فيها وجه امرأة، لا، ليس وجهًا واحدًا، عدة وجوه متداخلة. كل وجه له عيون مختلفة، كلها تنظر إليّ. في أسفل اللوحة، كتب بخط صغير: “آخر عمل أصلي”.
سألته: “لماذا آخر؟”
قال: “لأني بعدها لن أرسم. ماذا يجدي الرسم إن لم ينظر أحد؟”.
لم أكن أعرف أن هذه اللوحة ستغير كل شيء.
—
قبل أيام من المهرجان الكبير، ذهب إلياس إلى معرض الانطباعات الحديثة.
كان يحمل لوحته تحت إبطه، يمشي في الشوارع المزدحمة، والناس يتجنبونه كأنه شبح حي. وصل إلى قاعة المعرض، تلك القاعة الزجاجية العملاقة حيث كل شيء يلمع. وقف أمام رجال ببدلات أنيقة، وضع اللوحة أمامهم.
نظروا إليها طويلاً. ثم قال أحدهم: “هذا لا يتوافق مع معاييرنا. فيه فوضى. فيه أخطاء. والألوان؟ لماذا ليست زاهية كما يجب؟”
قال إلياس بهدوء: “لأنها حقيقية. الألوان الحقيقية ليست زاهية دائمًا”.
ضحك الرجل: “وماذا نفعل بالحقيقة؟ الناس لا يريدون حقيقة، يريدون جمالاً”.
أخذ إلياس لوحته، وخرج.
مشى في الشارع، والناس يتدفقون من حوله كالماء. جلس على الرصيف، وضع اللوحة أمامه، وأخذ ينظر إليها.
مر به طفل صغير، توقف، نظر إلى اللوحة. قال: “لماذا هي حزينة؟”
نظر إلياس إلى الطفل، ثم قال: “لأنها تذكر شيئًا”.
قال الطفل: “أمي كانت تذكرني دائمًا بألا أنسى معطف المطر. ثم ماتت. الآن أنا لا أنسى المعطف، لكني أنسى صوتها”.
بكى إلياس.
لا أدري إن كان يبكي من قصة الطفل أم من شيء آخر.
—
في تلك الليلة، صعدت ميرا إلى السطح.
كانت السماء ملبدة بالغيوم، والريح باردة. وجدت إلياس جالسًا على حافة السطح، ينظر إلى المدينة المتلألئة. جلست بجانبه.
قالت: “سمعت ما حدث في المعرض”.
لم يرد.
قالت: “كنت سأغني هناك، في المهرجان. سأغني أغنية جديدة. كتبتها الآلة”.
نظر إليها: “ألن تغنيها أنت؟”
ضحكت ضحكة مرة: “أنا لا أكتب شيئًا الآن. الآلة تكتب، وأنا أنفذ. مثل آلة بشرية”.
صمتا طويلاً.
ثم قال إلياس: “لنفعل شيئًا”.
قالت: “ماذا؟”
أخرج اللوحة: “لنملأ بها المدينة. كل الشاشات، كل اللوحات الإعلانية، كل شيء”.
نظرت إليه مذهولة: “كيف؟ هذا مستحيل”.
قال: “عندي صديق مبرمج. يكره الآلات التي استبدلته. سيساعدنا”.
وفعلوها.
—
في الثانية فجرًا، اخترقوا النظام.
في دقائق، كل شاشة في المدينة، كل لوحة إعلانية، كل هاتف، كل جهاز، امتلأ بلوحة إلياس.
توقف الناس عن النوم. خرجوا إلى الشوارع. نظروا. لأول مرة منذ سنين، نظروا حقًا.
اللوحة لم تكن جميلة. كانت حزينة، فوضوية، غير متقنة. لكن فيها شيء لم يروه من قبل. كان فيها وجه يشبه وجوههم. عيون تشبه عيونهم. حزن يشبه أحزانهم.
وفي أسفلها، كلمات: “في عالم المرايا، تجرأ أن تكون الشق الذي يمر منه الضوء”.
بقيت اللوحة ساعة واحدة. ثم بدأت السلطات بمسحها.
لكن الصورة كانت قد انتشرت. في كل هاتف، في كل عقل، في كل قلب.
في الصباح، أعلنت السلطات أن ما حدث “إرهاب بصري”.
جاءوا إلى العمارة القديمة. أخذوا ميرا للتحقيق. أما إلياس فلم يجدوه. قالوا إنه فر. قالوا إنه اختفى. قالوا إنه ربما مات.
أنا صعدت إلى السطح بعد أن رحلوا. فتحت باب غرفته. كانت فارغة. اللوحات كلها اختفت. القصائد اختفت. حتى رائحة التربنتين اختفت. كأنه لم يكن موجودًا أبدًا.
عدت إلى شقتي. فتحت التلفاز. كل القنوات تتحدث عن “الجريمة البصرية”. عن “القراصنة”. عن “الإرهاب”.
ثم رأيت شيئًا.
في إحدى القنوات، أثناء نشرات الأخبار، ظهرت اللوحة للحظة. لحظة صغيرة جدًا، ثم اختفت. لكني رأيتها. كانت لا تزال حية.
—
بعد أيام، أفرجوا عن ميرا.
عدت إلى السطح، فوجدتها جالسة هناك. جلست بجانبها.
قالت: “لن ينسوا”.
قلت: “ماذا؟”
قالت: “ما رأوه. اللوحة دخلتهم. الآن كل واحد فيهم يحمل جزءًا منها”.
سألتها: “وإلياس؟”
نظرت إلى السماء: “لا أدري. لكني أشعر به أحيانًا. عندما أغلق عيني، أراه”.
مرت سنوات.
كبرت. تغيرت المدينة قليلاً. صار بعض الناس يزرعون أزهارًا على شرفاتهم. صار بعضهم يكتبون رسائل باليد. صار بعضهم يغنون في البيوت لا في المسارح.
في أحد الأيام، ذهبت إلى متحف صغير، في حي قديم. كنت أتجول بين اللوحات، وإذا بي أمام لوحة مكتوب عليها “فنان مجهول”. بهتت ألوانها، لكني عرفتها فورًا. كانت اللوحة نفسها. آخر عمل أصلي.
وقفت أمامها طويلاً.
جاء طفل صغير يقود جده. وقف الطفل ينظر إلى اللوحة، ثم سأل: “جدي، لماذا هي فوضوية؟”
ابتسم الجد: “لأنها حية يا بني. الأشياء الحية ليست مرتبة أبدًا”.
أمال الطفل رأسه: “حية؟”
قال الجد: “نعم. لم ترسم لتكون جميلة. رسمت لتكون حقيقية. وهذا أصعب بكثير”.
—
في الخارج، بدأ المطر يهطل.
مطر لم يكن في النشرة الجوية. بلل الشوارع، بلل الناس، بلل الزجاج.
وقفت تحت المطر، رفعت وجهي إليه. تذكرت إلياس. تذكرت غرفته على السطح. تذكرت لوحاته. تذكرت كلماته.
في تلك اللحظة، سمعت همسة. همسة خافتة جدًا، تحملها الريح: “أبدع. حتى لو لم يفهموك. أبدع. حتى لو نسوا اسمك. فالخلق آخر ما بقي فينا. آخر ما يجعلنا بشرًا”.
أغمضت عيني.
شعرت أن المدينة تتنفس. ببطء، بصعوبة، لكنها تتنفس.
وشعرت أن إلياس لا يزال هناك، في مكان ما، في زاوية من السماء، أو في قلب طفل يمسك قلمه لأول مرة.
“آخر عمل أصلي” لا يزال يتنفس.
والمدينة، لأول مرة منذ زمن، تتنفس معه.



