
* كتب/ خالد الجربوعي،
تقسيم الدول في كل العصور ليس بدعة ولا أمر مستحدثا، ولا حدثا لا يتكرر، فالتاريخ حافل بدول قسمت وأخرى توحدت وثالثة انتهت وأصبحت مجرد ذكرى وتاريخ حسب الظروف والمعطيات ونوعية الدولة من يقطنها وكيف نشأت أصلا..
ولنا في العصر الحديث أيضا الكثير من الدول التي انقسمت وأصبحت دولا متعددة منها على سبيل المثال لا الحصر يوغسلافيا وتشيكوسلوفاكيا، دون أن ننسى السودان واثيوبيا، وتبقى الهند وتقسيمها عند استقلالها أمرا لا يمكن نسيانه، إلى آخر القائمة، وهو أمر لن يتوقف وسيتكرر دائما وكثيرا طيلة تاريخ البشرية..
إذا الأمر ليس مستغرب ولا يمكن حدوثه في كل زمان ومكان، وليبيا ليست استثناء “لو قدر الله” وحدث هذا الأمر الغير مرغوب شعبيا وعاطفيا، لكن يجب مواجهة الحقيقة والتعامل مع الأحداث بنوع من الواقعية والعقلانية، فما يحدث في ليبيا اليوم أمر لا يمكن إلا أن يؤدي إلى انقسام البلاد عاجلا أو جلا شئنا أم أبينا كنا مع الأمر أو ضده.
لكن السؤال الأكبر والأهم “لو قدر الله” وحدث هذا المكروه، هو إلى كم ستقسم البلاد؟ وهل سيتم الاكتفاء بتقسيم ثنائي لا أكثر ولا يكون الأمر أكبر من ذلك؟..
فكل ما نعيشه اليوم وما يفعله أصحاب الكراسي، في ظل صمت بل ودعم ونفاق وتطبيل من جزء كبير من الشعب وتعصبه القبلي والجهوي بكل أنواعه يجعل أمر التقسيم ليس بعيدا ولا مستغربا.. فما حدث في البلاد من سفك دماء ومواجهات من أجل الكراسي والسلطة لا غير.. لا من أجل وطن ولا هم يحزون، وما يحدث اليوم من تقسم سياسي وجهوي أصبح يطال كل المؤسسات بكل أنواعها.. بل حتى القضاء الذي ظن البعض أنه قد يكون طوق النجاة في يوم من الأيام لم يسلم من هذا التقسيم، وكل ذلك ما هو إلا نذير بأن الحل الأمثل والنهائي لكل ذلك هو التقسيم لا غير، طال الزمان أو قصر..
فإن كانت هذه هي النهاية المتوقعة وهذا هو المصير المنتظر فلماذا نضع رؤوسنا في الرمال كالنعامة ونحاول تغطية عين الشمس والحقيقة بالغربال، وكأن الأمر لا حقيقة له وغير وارد، ونفتح الباب لحوار حول الأمر، نقرر أيهما الأفضل لكل الأطراف والأكثر سلامة والأقل تضررا، وخسائر بشرية دفع منها الكثير حتى الآن، ومالية تكاد تفلس بالبلاد في ظل الأوضاع الحالية، والانقسام السياسي والسلطوي والحكومي، بل والنخبوي لدى عديد الأطراف من الجانبين.. فلم لا نذهب إليه دون تأخير ونجعل الأمر واقعا بإرادتنا وتفهمنا، قبل أن يفرض علينا ليس حتى من خارج البلاد بل من داخلها، ومن أصحاب السلطة والكراسي والجهويين والمتعصبين الذين أصبحوا هم أصحاب الكلمة في كل موقع..
فالتقسيم يبقى أحد أهم السيناريوهات المطروحة للحالة الليبية اليوم رغم محاولة الكثيرين الابتعاد عن مناقشته والتطرق إلى الحديث عنه جهرا.. حتى إنه لو نظرنا للواقع الحالي لوجدنا أنه لم يبق إلا وضع الحدود ولاكتمل المشهد.
فالتقسيم كان حلا للكثير من الصراعات بين الدول التي كانت واحدة في يوم من الأيام، فمثلا الهند عندما كانت تحت الاستعمار البريطاني كانت دولة واحدة معا، ولكن بعد التحرر والاستقلال مباشرة اختلف قادتها فيما بينهم وخاصة على ديانة الدولة فكان الانقسام على أساس ديني لتحرج من رحمها دولة باكستان الاسلامية ..
يوغسلافيا السابقة بعد وفاة تيتو دخلت في صراعات ومعارك وحروب بين اطراف متعددة انتهت بتقسمها الى عدة دول بعد ان قتل الآلاف وخاصة في الصراع البوسني وكان التقسيم على الأساس العرقي أولا والديني ثانيا..
السودان شهدت صراعات طويلة لم تتوقف حتى كان التقسيم وعلى أساس ديني، ومع هذا مازالت تعاني من عدة صراعات ربما تزيد من تقسيم البلاد إلى أكثر من دولة مع مرور الزمن ..
والتاريخ به الكثير من هذه الأمثلة.. وليبيا قد لا تكون استثناء “لا قدر الله” ولكن إن حدث الأمر في يوم من الأيام يبقى السؤال على أي أساس سيكون التقسيم؟ فالدين واحد والعرق يكاد يكون واحدا، إلا إن كان لدينا سبب جديد كما عادتنا نأتي دائما بالجديد، وهو الانقسام على الأساس القبلي والأهم الاقتصادي ومن أجل الكرسي.. لا أكثر ولا أقل.. فهل يكون هذا هو الحل في نهاية المطاف؟.. لا قدر الله ..
خاصة أننا نعيش في وضع يتكرر مرة أخرى، من قبل من فرضوا على الليبيين الملكية وملكهم يوما، وساوموا بذلك على وحدة البلاد حينها من أجله، عندما وجدوا أن الأمور لا تسير كما يشتهون، خاصة أن السلطة ومقرها وأساسها أصبحت في غرب البلاد وعاصمتها، فأغضبهم ذلك حتى وصل الأمر إلى وصف من طالبوا به ملكا إلى وصفه بإبليس.. وهؤلاء هم أنفسهم من خرج منهم قائد سبتمبر ثم رفضوه وخرجوا عليه مرات ومرات.. وهم أنفسهم من خرجت منهم فبراير ونتائجها ثم انقلبوا عليها وكفروا بها، وهم أنفسهم من يريدون اليوم أن يفرضوا على البلاد قائدا جديدا، يخرج من عندهم ليساوموا به مرة أخرى، ومن أجله وفي سبيل منحه حكم كل البلاد، ولعائلته أو أبنائه على وحدة الوطن وسلامة مواطنيه.. فإلى متى نقبل بكل ما يأتي من شرق البلاد ويراد فرضه باسم وحدة الوطن والمحافظة عليه؟ ونرضخ له وفي النهاية تكون النتيجة أنهم أول من يخرج عليه ويريدون تغيره بأي ثمن، حتى لو كان تدمير الوطن، والمثل يقول العاقل لا يلدغ من جحر مرتين، ونحن لدغنا منه مرات ومرات، فمتى نتعلم ونستفيد ونبحث عن طريق آخر بعيدا عما يأتي مما جرب كثيرا وفشل أكثر ..
فما يحدث اليوم في ليبيا ليس بجديد وإن اختلفت التفاصيل، خاصة في صراع شرق غرب، فالمساومة على وحدة الوطن ومحاولة فرض الشروط والأشخاص أمر له جذوره من قبل، خاصة من قبل أهل الشرق، فهم من ساوم على وحدة ليبيا عند الاستقلال من أجل فرض من يحكمها، فيما يقدم أهالي طرابلس ومعهم أهالي الجنوب التنازلات للمحافظة على وحدة الوطن، رغم كل المحن فكان ما كان حينها.. والأمر ذاته يتكرر اليوم وإن بتفاصيل مختلفة وأحداث مغايرة، لكن يبقى في العمق والنتائج هو ذاته، المساومة على وحدة الوطن من أجل أشخاص قبل كل الناس ..



