الرئيسيةالراي

رأي- قنبلة التوطين الموقوتة. هل تواجه الهوية الليبية خطر الاندثار؟

* كتب/ صلاح الدين عبدالله الجبو،

يلقي العديد من المواطنين الليبيين باللوم على المهاجرين الأفارقة أنفسهم في معضلة الهجرة غير الشرعية، مدفوعين بمشاهدة عشرات الآلاف من الشباب الأفارقة الذين تغصّ بهم شوارع المدن الليبية بحثاً عن لقمة العيش.

صحيح أن هناك تدفقاً ضخماً جداً للمهاجرين غير النظاميين في ليبيا، ينتمي غالبيتهم العظمى إلى أفريقيا السوداء، إلا أن الحقيقة والإنصاف يقتضيان الاعتراف بأن هؤلاء المهاجرين ليسوا المسؤولين الأوائل عن هذا الوضع المأساوي.

الجذور التاريخية لهذه الأزمة سببها الاستعمار الغربي وإفقاره للقارة، ولفهم أسباب هذه الظاهرة، لابد من العودة إلى التاريخ؛ ففي عام 1914، بلغت السيطرة الأوروبية على أفريقيا نحو 90% من مساحة القارة السمراء، ولم تسلم من هذا المد الاستعماري سوى إثيوبيا وليبيريا. حينها، بسطت بريطانيا العظمى نفوذها على ما يقارب 30% من القارة، فشملت إمبراطوريتها مصر، والسودان، وكينيا، ونيجيريا، وغانا، وجنوب أفريقيا. وفي المقابل، سيطرت فرنسا على السنغال، ومالي، وغينيا، وساحل العاج، وتشاد، ومدغشقر، وأجزاء من الصومال. أما ألمانيا فاستعمرت تنزانيا، ورواندا، وبوروندي، والكاميرون، وتوغو، وناميبيا. بينما تحولت الكونغو إلى ملكية شخصية لملك بلجيكا “ليوبولد الثاني” يعبث بها كيف يشاء. ولم تكن البرتغال بمعزل عن هذا التقاسم إذ سيطرت على أنغولا وموزمبيق وغينيا بيساو، في حين استحوذت إسبانيا على شمال المغرب وغربه، والريف، ووادي الذهب، وغينيا الاستوائية. أما إيطاليا، فقد بسطت سيطرتها على ليبيا، وإريتريا، وأجزاء من الصومال.

بناءً على هذه الحقائق، فإن المسؤول الأول عن هذه الهجرة الأفريقية الهائلة هي الدول الأوروبية التي استعمرت القارة، وقسمتها كغنيمة، واستعبدت سكانها، ونهبت ثرواتها. وقبل أن ترحل عسكرياً، رسمت حدوداً مصطنعة بغرض زرع بذور النزاعات العرقية المستمرة، ونصبت حكاماً موالين لها يحرسون مصالحها، لتواصل نهب الخيرات عبر الشركات الدولية الكبرى؛ وبتعبير صحفي بليغ: “خرج الاستعمار من الباب، وعاد من النافذة”. ولا تزال الدول الغربية، عبر أدواتها السياسية، تمارس هيمنة اقتصادية وسياسية شرسة حتى يومنا هذا، تنهب القارة بلا رحمة، مما أغرق الشعوب الإفريقية في فقر مدقع، وأجبرها على الفرار جماعياً بحثاً عن طوق نجاة وحياة أفضل.

أما عن المسؤوليةُ المحلية وغياب الدولة والاتفاقيات المشبوهة، فلا يسعنا إلا أن نقول؛ إذا كان الغرب هو المسؤول الأول والبعيد، فإن المسؤول الثاني والمباشر هم القادة السياسيون الليبيون الذين فتحوا حدود البلاد وتركوا الثغور دون رقابة تُذكر. بل إن بعض الأطراف المحلية أصبحت تستفيد مالياً من تجارة تهريب البشر، مما يمثل بيعاً مقنعاً للوطن لمن يدفع أكثر.

وبدلاً من أن تكف الدول الغربية عن نهب خزائن أفريقيا ومعالجة الأزمات الاقتصادية في بلدان المنشأ، تختار الحل الأسهل والأنانية السياسية، وهي طرد المهاجرين من أراضيها، وإبرام اتفاقيات مشبوهة مع مسؤولي الدول التي تعاني من هشاشة سياسية لتوظيفها كحراس حدود وإيداع المهاجرين فيها، مثل ليبيا وتونس. هذا التوجه سيمثل كارثةً وطنية تشمل أبعاداً ديموغرافية وعرقية خطيرة خلال العقود القليلة القادمة، مقابل ملايين الدولارات التي تتدفق في جيوب النخب الفاسدة.

 

وتكمن خطورة المشكلة في ليبيا اليوم في غياب البيانات؛ فالدولة لا تعلم العدد الحقيقي للمهاجرين على أراضيها، وتفتقر لأي إحصائيات دقيقة تحدد هوياتهم أو أماكن إقامتهم. ونظراً لأن الغالبية العظمى منهم من فئة الشباب المستعد للاستقرار وجعل ليبيا وطناً بديلاً، فإن استمرار هذا التدفق دون رادع يهدد بابتلاع التركيبة السكانية، حتى يصبح الليبيون أقلية في أرضهم، مما يهدد الهوية الوطنية بالذوبان والاندثار، تماماً كما حدث مع السكان الأصليين في أمريكا الشمالية وكندا.

وهنا تجدر الإشارة إلى ضرورة التمييز بين أنماط الهجرة؛ فالوافدون العرب، كالمصريين مثلاً، يدخلون ليبيا بهدف العمل المؤقت ثم العودة إلى بلدانهم. أما الأشقاء الفلسطينيون، فلهم وضع خاص يستوجب منحهم حق واكتساب حقوق المواطنة في إطار من الدعم الإنساني والسياسي، كالتزام قومي وإنساني حتى تحرير فلسطين، مع إمكانية منحهم جوازات سفر مؤقتة لتسهيل حياتهم دون المساس بهويتهم الأصلية.

الحل الوحيد لهذه المعضلة المعقدة لا يكمن في تأجيج الشارع، ولا في تنظيم مظاهرات شعبية ضد المهاجرين أو مطاردتهم والتعامل معهم بطرق غير إنسانية تفقدنا عدالة قضيتنا؛ بل يكمن حصراً في يد الدولة، التي تملك وحدها القدرة على فرض الحل الحقيقي والفعال النابع من قرار سيادي يعبر عن استراتيجية وطنية واضحة المعالم، ترتكز على الخطوات التالية؛ الامتناع التام عن توقيع أي معاهدة أو اتفاقية دولية تهدف إلى توطين المهاجرين في ليبيا تحت أي مسمى أو إغراء مالي. فرض رقابة صارمة على الحدود البرية والبحرية لمنع التدفقات غير النظامية والسيطرة على جميع المنافذ. إعلان حرب لا هوادة فيها على عصابات تهريب البشر والجريمة المنظمة ومعاقبة المتواطئين محلياً. القيام بتعداد شامل وفوري لكافة الأعداد الهائلة الموجودة حالياً داخل البلاد، وتحديد أماكن تواجدها. حجز كل من لا يملك إقامة قانونية أو تصريح عمل في معسكرات تجميع مجهزة ولائقة، يتم التعامل فيها مع المهاجرين بكل احترام وإنسانية تليق بالكرامة البشرية. إعداد قوائم دقيقة باحتياجات السوق الليبي الفورية من الأيدي العاملة، وبناءً عليها تُمنح تصاريح عمل وإقامات مقننة لعدد محدود من العمالة التي تحتاجها البلاد فعلياً، في حين يتم ترحيل البقية إلى بلدانهم فوراً بالطرق الدبلوماسية.

 

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى