
* كتب/ د. محمود أبوزنداح،
كما العادة، يشدّ أهل ليبيا -الطيّب والشرير على حدٍّ سواء- رحالهم إلى صلاة الجمعة في مشهد يتزاحم فيه الشوق والروحانية، إذ تتوافد مختلف الأعمار على المساجد المتقاربة والمتباعدة، وبعضها يُغلق الطرق الرئيسية والفرعية في وقت رفع الإقامة. الجميع يجري ويسعى، وإن اختلفت نظرتهم إلى الأمور، غير أن القبول والرضا من عند الله يُبقيان القلوب موصولة بعضها ببعض.
بيد أن المشهد يتبدّل كليًّا فور انتهاء الصلاة؛ ففي لحظة الخروج من المسجد عقب السلام، تجد من لا يُعطي حقَّ الطريق، ومن يطلب منك الإسراع أو سلوك الاتجاه المعاكس، بل ومن يصل به الأمر إلى الشتم والسبّ -في مشهد لا يجمعه أيُّ رابط بما كان عليه قبل دقائق معدودة.
كانت خطبة الجمعة في المسجد الكبير -المسجد الأسمري- تدور حول الطعام والحفاظ على النعمة وعدم إلقائها في القمامة، وهو مسجد يستقطب أعدادًا كبيرة من المصلين عربًا وأجانب من شتى الجنسيات. خرج الجميع وخرجتُ معهم إلى وسط المدينة، أتساءل في دخيلة نفسي: هل أحدثت الخطبة صدىً حقيقيًّا؟
الطرقات باتت مزدحمةً والسيارات مسرعة. انعطفتُ نحو شارع الخرطوم -ذلك الحي الذي يعجّ بالجاليات الأجنبية- فوجدتُ ازدحامًا شديدًا على أماكن بيع الفول المدمّس والمخللات، وروائح كريهة، وأرصفة تسوّدها الزيوت وبقايا الأطعمة، في خليط مبعثر من البشر والأكياس والقمامة المرمية على قارعة الطريق.
خرجتُ مسرعًا أبحث عن طريق يوصلني إلى منزلي، وقد باتت الأمور في حدودها الدنيا من مسؤولية الدولة؛ فقد انتهت الخطبة وأدّت دورها في تذكير الإنسان بعلاقته مع ربه، وهي علاقة خاصة تخصّ كلَّ فرد.
فتحتُ الراديو، فإذا بكلمات عبرية وألفاظ اعتدنا سماعها في نشرات الأخبار؛ كنتُ أمام تحليل “إسرائيلي” يتسرّب إلى سيارتي، فلا أملك إلا أن أقول: لقد وصل إلينا هذا وهجُه في أعقاب خطبة الجمعة مباشرةً.
غيّرتُ المحطة بسرعة، فإذا ببثٍّ من إذاعة الخُمس المحلية يتصدّره شيخ يُعلن أنه يُعالج بالمجان عن طريق الأعشاب، مُعرِّضًا بمعالِج آخر يأخذ خمسةَ عشر ألفًا مقابل علاجه. ثم يُنهي حديثه بالمطالبة بتدخّل الحكومة للنظر في أسعار الدواء وتوفيره للأمراض الخطيرة.
عُدتُ إلى بيتي وأنا أتساءل: أيُّ خطبة ترجمت نفسها إلى واقع ملموس؟ هل نأخذ بما هو محسوس ومعاش، أم نظلّ نتحدث عما يرويه علماء الفضاء عن نهاية الكواكب دون وثيقة علمية واحدة تُشير إلى انشقاق القمر أو أسرار الأرض؟
الإسلام دين حقٌّ، وعلينا في ليبيا أن نعود إليه من داخلنا، لا أن نستعيره من دول لها عاداتها وعلاقاتها الخارجية وأوضاعها الاقتصادية والاجتماعية المغايرة لنا.



