اجتماعيالرئيسية

​ترتيل الصمت

​(قصة مستوحاة من موقف واقعي شهدتُ تفاصيله المؤثرة بنفسي)

* تهاني جبريل كريم،

كان الجو يوحي بالحيوية والنشاط، وبرغم أنها كانت فترة قيلولة، إلا أن الشارع كان يعجُّ بالحركة؛ أطفالٌ بحقائبهم في طريقهم إلى حلقات التحفيظ.. أجواءٌ رائعةٌ لطفت حرّ الظهيرة.

ترك هؤلاء الصغار الراحة الجسدية ليظفروا بالراحة النفسية، حيث السكينة وهدوء الأرواح وهي تتلوا آيات الله. كان هذا المنظر يملأ قلب الطفلة “أمل” تأملاً وإعجاباً، وهي تنظر من النافذة  ،وبدأت تحنُّ إلى الالتحاق بتلك الحلقات شأنها شأن أقرانها، فأغمضت عينيها وأخذت تتخيل نفسها جالسةً وسطهم، تتلو كتاب الله بخشوع.

​وبينما هي غارقة في خيالها، وضعت أمها يدها على كتفها لتخبرها أن الغداء جاهز. جلست الطفلة لتتناول طعامها، وأشارت لأمها إلى الأطفال الذين رأتهم في الشارع، فأومأت الأم برأسها: “نعم، منظر رائع يا ابنتي”. تمنت “أمل” لو تفصح لأمها عن رغبتها في الانضمام إليهم، لكن إعاقتها، وعدم قدرتها على الكلام إلا بصعوبة شديدة، حتى أنها لا تستطيع توضيح الحروف أحياناً، كانت تضع حاجزاً من المستحيل أمام رغبتها. أنهت طعامها ودخلت غرفتها، وظلت عيناها معلقتين بالنافذة، ترقب عودة الأطفال من حلقتهم.

​لم تيأس “أمل”، وظل الحلم يراودها. وذات يوم، سحبت أمها من يدها نحو النافذة، وأشارت بحماس إلى الحلقة، معبرةً عن رغبتها الصادقة في الالتحاق بحلقة تحفيظ، شأنها شأن هؤلاء الأطفال. غمرت الحيرة قلب الأم ممزوجة بكسرةٍ خفية، لكنها تمالكت نفسها وقالت: “حسناً، سأذهب غداً إلى المحفِّظة وأسجلكِ معها”. حينها قفزت الطفلة واحتضنت أمها، والدموع تسبق بسمتها، فقد كانت إيماءات “أمل” في تلك اللحظة أبلغ من الكلمات،  وتترجم رغبتها العميقة في الاقتراب من كتاب الله.

​في اليوم التالي، توجهت الأم بابنتها إلى الحلقة. بدت “أمل” كمن استقبلت العيد، وجلست أمام المحفِّظة التي استقبلتها بشفقةٍ ممزوجة بالدهشة؛ كيف السبيل لإيصال العلم لقلبٍ يريد ولسانٍ لا ينطق؟ سرعان ما أشارت الطفلة للمحفِّظة بأنها تستطيع الكتابة، وأن لسانها لا يطاوعها إلا في إخراج حروفٍ معدودةٍ بصعوبةٍ بالغة، وكانت الأم تترجم كلامها إلى المحفظة.

​بدأت “أمل” مشوارها الروحاني، وكانت تنجز ما تطلبه منها المعلمة بصعوبةٍ شديدة، إلا أن رغبتها وهمّتها كانت تعينها على هذا الإنجاز. كانت تارةً تتعثر، وتارةً تنجز، وأحياناً كثيرة كانت تبكي عندما تعجز أكثر من مرة عن إنجاز واجبها؛ ومع ذلك كانت تصرّ وتجتهد. كانت المعلمة تدرك أن القراءة بلسانها شبه مستحيلة، لكنها كانت تجبر خاطرها وتغمرها بالتشجيع، مؤمنةً بأنها لغةٌ ينطق بها قلبها لتصل إلى مرادها.

​وفي يوم المراجعة، نادت المعلمة على طالبةٍ لتقرأ، فجاءت مترددة ترتبك وتتعثر، ثم نادت أخرى فكان الأداء غير متقن. هنا، التفتت المعلمة إلى “أمل”، فلاحظت دهشةً لا توصف؛ كانت “أمل” تحرك شفتيها بنفس الآيات، وتكتبها في كراستها ببراعة. نادتها المعلمة، وعندما رأت ورقتها، وجدت الآيات مسطورةً بلا خطأ واحد!

​وقفت المعلمة وقالت بصوتٍ متهدج أمام الجميع: “إن الإعاقة هي إعاقة العقول لا الجسد. انظرن إلى هذه المُجدّة، كيف سطرت ما عجز عنه من أنعم الله عليهن بنعمة النطق. أمل، برغم صمتها، تحدت الجميع بقلبها”.

​منذ ذلك اليوم، تحول ذاك الشعور الداخلي إلى تطبيقٍ عملي، وأصبحت “أمل” تنافس الطالبات في الحفظ والكتابة. لم يعد صمتها حاجزاً للتميز، بل أصبح حافزاً للنجاح والتفوق. أثبتت للجميع أن القرآن آياتٌ تسكن القلوب، لا مجرد لسانٍ وشفاهٍ ترتل فقط، وما زالت “أمل” تمضي في طريقها بكل همة، تتقدم في حفظها يوماً بعد يوم، لتثبت للجميع أن الإعاقة الحقيقية هي إعاقة القلوب والبصيرة، لا إعاقة الجسد، وأن رحلة الوصول إلى الله مستمرة ما دام القلب ينبض باليقين، وكأن لسان حالها يقول لمن أنعم الله عليه بنعمة الكلام والصحة: ما حجتك أمام الله وقد منحك هذه النعم، وأنت لم تحفظ شيئاً من كتابه؟!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى