الرئيسيةالراي

رأي- الغياب التام للتخطيط في تشييد الدائري الثالث ومشاريع العاصمة طرابلس

* كتب/ صلاح الدين عبدالله الجبو،

تعيش مدينة طرابلس كابوساً يومياً جراء الازدحام المروري الخانق والفوضى العارمة التي تجتاح شوارعها الرئيسية.

فبعد أكثر من 40 سنة من العجز والركود في بناء وتطوير شبكات الطرق، انتقلت الإدارة المحلية إلى نقيض آخر متمثل في فائض المشاريع التي تُنفذ دفعة واحدة. ورغم أن هذه الأعمال، من توسعة للطرق، وتحسين وإصلاح مركز المدينة، وتطوير لشبكات الصرف الصحي، وترميم الشوارع المتهالكة، تُعد ضرورية جداً في حد ذاتها، إلا أن طريقة تنفيذها العشوائية حوّلتها إلى مصدر معاناة يومية للسكان. ولهذا السبب نجد أن المشكلة الأساسية تكمن في عشوائية التنفيذ وغياب التخطيط الهيكلي والتنسيق بين الجهات المسؤولة، فبدلاً من تنفيذ المشاريع وفق مراحل تدريجية ومتناسقة جغرافياً وزمنياً، كما تفعل الحكومات والبلديات في مختلف دول العالم، قامت وزارة التخطيط والحكومة المحلية بإغلاق معظم شوارع العاصمة وضواحيها والبدء في العمل في آن واحد.

هذا السلوك يعكس غياباً تاماً للتنظيم، ويُعطي انطباعاً بأن هذه المشاريع الكبرى، وفي مقدمتها مشروع الدائري الثالث، تُنفذ لأغراض الدعاية فقط دون أي مراعاة لعواقبها المرورية. وهذا الخلل الهيكلي في إدارة المشاريع بليبيا؛ يحدث نتيجة الثغرة الإدارية التي نقلتنا من العجز التام إلى الفائض العشوائي، حيث انتقلت الإدارة من حالة التقصير والركود سابقاً، إلى حالة التخمة والفائض في المشاريع المتزامنة حالياً. هذا الانتقال لم يرافقه نضج إداري، فبدلاً من جدولة المشاريع وتوزيعها جغرافياً وزمنياً، تم إطلاقها دفعة واحدة، مما يدل على أن المشكلة في ليبيا ليست مادية أو لوجستية، بل هي أزمة إدارة وتخطيط في المقام الأول.

ونركز أيضا على أن التعتيم الإعلامي وغياب الحلول البديلة، يتفاقم مع استياء المواطنين بسبب نقص المعلومات وغياب الشفافية من قبل الجهات الرسمية؛ فلا توجد خطط مرورية بديلة معلنة، والدولة لا تُقدم معلومات كافية للسكان حول الطرق البديلة لتجنب مناطق البناء، كما أن المواطنين لم يُبلّغوا بالمواعيد الزمنية الأكيدة لانتهاء هذه المشاريع والترميمات، مما يمنعهم من تنظيم تنقلاتهم اليومية للوصول إلى مقار عملهم، ومساكنهم، ومدارس أبنائهم.

وبسبب غياب الشفافية والتواصل المؤسسي، تطل فجوة عميقة أخرى بين المواطن والمسؤول بعلة غياب الإعلان المسبق عن قفل الطرق، وعدم توفير خرائط للمسارات البديلة، وعدم تحديد سقف زمني لانتهاء الأعمال، وهذا يسبب في انعدام المعلومات والاتصالات الرسمية الموثوقة مما يؤدي إلى حالة من عدم اليقين ونقص المعلومات التوضيحية المتعلقة بحركة المرور. كل هذا الغياب في ضخ المعلومات والاتصالات الرسمية الموثوقة، يضاعف الأثر النفسي السلبي والاستياء والقلق لدى السكان، ويفقد الثقة في جدوى المشاريع التنموية.

لم تتوقف أضرار هذا الإغلاق العشوائي للطرق على تعطيل الحركة اليومية للمركبات وإطلاق أبواق السيارات المزعجة والمتواصلة، بل امتدت لتشكل تهديداً لسلامة السكان، فقد تسبب قطع سبل الوصول من وإلى ضواحي المدينة في عزل ذوي القدرة المحدودة على الحركة والتنقل. والأخطر من ذلك هو قلق كبار السن وعائلاتهم جراء عجز خدمات الطوارئ والإسعاف عن الوصول إلى أحيائهم بسهولة عند الحاجة، وهكذا تتحول هذه الفوضى العارمة الى تداعيات إنسانية وأمنية خطيرة.

وفي النهاية هذا المقال، أكرر بأن سوء التخطيط العمراني له تكلفة اجتماعية وإنسانية، لأنه كابوسٌ يعيشه المواطن الليبي بسبب ازدحام المرور الخانق الذي يُولّد الفوضى والاضطراب النفسي، وهذه الفوضى لا تضر بالاقتصاد وحركة السير فحسب، بل تمس الأمن الإنساني والاجتماعي، فعزل الضواحي، وإعاقة وصول سيارات الإسعاف والطوارئ، وعزل ذوي الاحتياجات الخاصة وكبار السن، يُعد مؤشراً خطيراً على أن التخطيط الحالي لا يضع الإنسان في مركز اهتماماته أثناء تنفيذ البنية التحتية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى