* كتب/ وحيد عبدالله الجبو،
تركز النشاط الاقتصادي لسوق العمل في القطاع العام لمدة طويلة، الأمر الذي جعل الجهاز الإداري كثير العدد وقليل الإنتاجية والدخل، وجعل مشاركة القطاع الأهلي في النشاط الاقتصادي غاية في المحدودية، مما يستوجب وضع برنامج تستغل بموجبه الإمكانيات المتوفرة للاقتصاد الوطني من موارد طبيعية وموقع جغرافي متميز وتركيبة سكانية متوائمة، تعطي استغلالا أمثلا للموارد الطبيعية والبشرية، وتجعل من دخل النفط محركا أساسيا للنمو، وتعالج المختنقات التي يعاني منها الاقتصاد الوطني وتقف في سبيل تحسين أدائه وتشجيع الاستثمار الأجنبي للمساهمة في إقامة مشاريع مشتركة مع المواطنين بغية الدفع بعجلة النمو والتنمية، ويتعين أن تعطى الأولوية لمعالجة مشاكل القطاعات التالية:
أولا/ العمل:
- الباحثين عن العمل:
لعل أكبر المختنقات هي الحاجة إلى خلق فرص عمل للباحثين عنه، والذين يقدر عددهم بأكثر من ربع مليون شخص، بالإضافة إلى ما يقرب من سبعين ألف شخص آخر يدخلون سوق العمل سنويا ويجعلون المشكلة أكثر تفاقما، وللتخفيف من هذه الأزمة نحتاج إلى حزمة من الإجراءات أهمها:
1 . فتح المجال أمام القطاع الأهلي وتشجيع الأفراد والشركات على دخول مجالات العمل والإنتاج وتسهيل إجراءات التأسيس والتسجيل والنمو، والاستثمار في كافة المجالات بما في ذلك البناء والتشييد والخدمات وتسهيل إجراءات وضمانات الإقراض من المصارف التجارية والتفعيل الكامل للقانون رقم (21) لسنة 2001م، المعدل بالقانون رقم 23 لسنة 2010م، والخاص بالنشاط الاقتصادي.
2 . تنظيم دخول وخروج وإقامة وعمل الاجانب والتطبيق الفاعل لتشريعات العمل الخاصة باستخدام الأجانب دخولا وإقامة ومكافحة الهجرة غير الشرعية.
3 . التركيز على التعليم المهني والتدريب.
4 . التقيد بالمخططات العمرانية وتحديد المناطق الصناعية ومدها بالبنية الأساسية لإقامة المشاريع فيها.
- الوظيفة العامة:
أما بالنسبة للوظيفة العامة فقد زاد عدد العاملين في الجهاز الإداري عن مليوني موظف، وأدى هذا الأمر إلى ترهل الجهاز الإداري وانخفاض إنتاجيته وارتفاع تكاليفه وانخفاض دخله، وهناك حاجة ماسة لتحسين أوضاع الموظفين إلا أن الدولة لن تكون قادرة على ذلك ما لم يتم تخفيض عدد الموظفين، ولن يتأتى هذا إلا بخلق فرص حقيقية في سوق العمل تمتص الأعداد الزائدة والكبيرة، وذلك بفتح المجال أمام القطاع الأهلي، وتنظيم دخول وخروج الاجانب وتشجيع الإقراض لإقامة المشاريع المختلفة كما يتعين:
1 . تطبيق الملاكات الوظيفية ومعدلات الأداء بما يضمن الاستفادة القصوى من القوى العاملة
2 . تطبيق القوانين التي تنظم العمالة وخاصة القانون رقم (12/ 2010)
3 . النظر في تطوير قانون الاستخدام وتطبيقه على العاملين في الدولة وتشجيع التقاعد المبكر وغيرها، وتنظيم علاقات العمل بالطريقة التي توضح الحقوق والواجبات ومدة الاستخدام.
ج. الضمان:
ولعل إحدى المشاكل التي يتعين توجيه الاهتمام إليها هي حقوق المضمونين، ذلك أن عدد الذين تدفع لهم رواتب ضمانية وصل إلى حوالي (800) ألف متقاعد، وهو رقم متزايد، وفي نفس الوقت فإن استثمارات صندوق الضمان قليلة العائد سيئة الإدارة، لذلك يتطلب الأمر اتخاذ إجراءات حاسمة وسريعة حتى لا تضيع حقوق المضمونين:
1 . إعادة النظر في قانون الضمان وإعادة هيكلة الصندوق
2 . تحصيل ديون الصندوق
3 . إعادة النظر في استثمارات الصندوق وإدارتها بما يجعلها تحقق أقصى العوائد الممكنة
ثانيا/ الإسكان:
ولئن شكلت البطالة المشكلة الأولى للاقتصاد الليبي، فإن النقص في توفر السكن الملائم هو المختنق الأساسي الثاني، وتقدر حاجة البلاد الحالية بأكثر من (800) ألف وحدة سكنية يضاف إليها ما يزيد عن (25) ألف وحدة سكنية أخرى سنويا، لملاقاة الطلب المتزايد، ومثل هذا الرقم يحتاج إلى إنفاق ضخم واستعمال كافة الفرص المتاحة، وذلك بتشجيع الاستثمار في العقار بناء وتملكا وانتفاعا، وبالإضافة إلى التعديلات التي تم إجراؤها في تشريعات التملك والنشاط الاقتصادي وعلاقات العمل فإن تقوية الجهود لحل هذه المشكلة، يتطلب أيضا:
1 . فتح المجال أمام القطاع الأهلي وتشجيع الشركات والتشاركيات والأفراد على الاستثمار في البناء والتشييد وتشجيع الناس على تملك بيوتهم.
2 . تسهيل إجراءات إنشاء الشركات وتشجيع المصارف على إقراض المستثمرين.
3 . السماح للشركات الأجنبية بالاستثمار في المجال العقاري طبقا لقانون الاستثمار رقم (9) لسنة 2008م.
4 . وضع المخططات والتقسيمات العمرانية وتسهيل الحصول على الأراضي بغرض البناء.
ثالثا/ الصحة:
إن مسؤولية الدولة يجب أن تركز في تحسين الخدمات الصحية الأساسية، وتقديم الرعاية الصحية الأولية، وتوفير الأدوية، والعمل على توسيع قاعدة الملكية في المستشفيات، وتحويلها إلى شركات تقوم الدولة بشراء الخدمات الصحية منها، وتطبيق نظام الاشتراكات السنوية، ووقف العلاج في الخارج، وإنفاق مخصصاته على تحسين الخدمات الصحية محليا وتحسين مستوى التمريض.
رابعا/ التعليم:
الاهتمام بمستوى التحصيل العلمي، والتأكيد على مجانية التعليم الأساسي، وتشجيع تعليم اللغات والحاسوب في المدارس العامة والخاصة، والتقليل من عدد الجامعات وتحسين مستواها، وقصر التعليم الجامعي على المتفوقين، وجعل مناهج التعليم الوطنية متمشية مع متطلبات المناهج الدولية ومواكبة لمتطلبات العصر، وتقييم الثانويات التخصصية وقصر إعدادها وتخصصاتها على ما يلبي احتياجات سوق العمل.
خامسا/ البنية الأساسية:
إن أموالا كثيرة يتم إنفاقها حاليا ويتعين إنفاقها مستقبلا لتحسين البنية الأساسية وتحسين الموجود منها من طرق وموانئ ومياه وصرف صحي وكهرباء واتصالات، ونظرا لأن الدولة ستكون عاجزة عن توفير كل الأموال المطلوبة لتطوير البنية الأساسية لوحدها كذلك، فإن عليها أن تبدأ في اتباع وسائل أخرى للتمويل، سواء كانت محلية أو أجنبية، كما يجب الاستفادة من المساعدات التي تقدمها المنظمات الدولية والإقليمية، وستعطى الأولوية لتجديد شبكة الاتصالات وإعادة هيكلة قطاع الكهرباء وتطويره، من خلال فصل أنشطة التوزيع والتوليد والنقل والتوزيع وتحلية المياه وتطوير شبكات المياه والصرف الصحي.
سادسا/ الدخول:
بالرغم من أن ليبيا تعتبر من الناحية الإحصائية المحضة من الدول متوسطة الدخل في العالم، حيث يقدر دخل الفرد فيها بأكثر من (2000) دولار، إلا أنه بالنظر إلى اتساع رقعة البلاد وحاجتها إلى البنية الأساسية وضعف أدوات التنفيذ الوطنية، فإن الشركات الأجنبية هي التي تقوم بأكبر الأعمال، مما يجعل الدخل الحقيقي للفرد، أقل من متوسط الدخل الرسمي، ولزيادة الدخل لا بد من اتخاذ خطوات هامة تجعل تنفيذ المشروعات التنموية بأيد ليبية، وتسهيل إجراءات إنشاء الشركات والتشاركيات، وتسجيلها، وتسهيل الإقراض وتحويل سياسة دعم السلع والخدمات إلى دعم الدخول، وإزالة التشوهات الموجودة في الأسواق والأسعار والأجور، وبصورة عامة جعل القطاع الأهلي هو اللاعب الرئيسي، وقصر دور الدولة على دور المنظم للاقتصاد عن طريق وضع التشريعات والقرارات التنظيمية لضمان تحرك القطاع الأهلي وإنعاشه وحمايته، والاهتمام بالتعليم والصحة وتنظيم علاقات العمل.
ولتحقيق ما تقدم وبالإضافة إلى ما ذكر من إجراءات، فإنه يتعين وضع إطار أساسي لجعل المقترحات السابقة قابلة للتنفيذ، وهذا الأمر يتطلب ما يلي:
1 . الإسراع بإلغاء التشريعات التي تعليق حرية النشاط الاقتصادي، والتي لا تشجع على خلق المناخ الملائم للاستثمار، وإنهاء الانقسام السياسي والمؤسساتي.
2 . التقليل من الأجهزة الحكومية والاقتصار على الضروري منها، الذي يحقق سلامة الأداء، وإلغاء الأجهزة غير الضرورية، والتي تحولت إلى حجر عثرة أمام اتخاذ القرارات وسلبت سلطات الإدارة لتحجيم الجهاز الإداري الحكومي.
3 . وجوب إقرار ميزانية الدولة قبل بداية السنة، وجعلها شاملة لكل النفقات والإيرادات، وعدم جواز الإنفاق من خارجها على أي بند أو قطاع.
4 . البدء في وضع خطط خمسية للتنمية الاقتصادية، يكون أساسها مشروعات متكاملة، وليس توزيع المخصصات بين البلديات.
5 . جعل صندوق التضامن كوسيلة هامة لمكافحة الفقر والبطالة، وضمان حد أدنى من الدخل للمعوزين، وتعميم منافعه على العاطلين حتى يجدوا عملا، لذا يجب أن تشجع المصارف التخصصية والمصرف الريفي على إقراض المستفيدين من صندوق التضامن للحصول على دخل يخرجهم من دائرة الفقر والعوز.
ورغم أن البعض قد يقول إن الكثير من التوصيات هي من اختصاص اللجنة الشعبية العامة، أن الحاجة لإقرار هذه الخطوات والتأكيد عليها سيجعل منها برنامجا وطنيا لا يحتمل التأجيل أو التأخير أو العرقلة من قبل أجهزة الرقابة والإشراف، ولئن تمت الموافقة، فإن ذلك يسرع بتحسين الأداء الاقتصادي، والتخفيف من مشاكل البطالة والسكن، كما سيؤدي إلى زيادة الانتاجية، والدخول ومستوى المعيشة للمواطنين.
وبدون إقرار لمثل هذه الخطوط العريضة كأساس لبرنامج عملي، فسيبقى ما يمكن تحقيقه محدود النتائج وباهض التكاليف.



