
*كتب/ د محمود أبوزنداح
ASD841984@GMAIL.COM
منذ سنوات، تتكرر الأسئلة ذاتها بصيغ مختلفة:
هل الإنسان الإفريقي القادم إلى ليبيا مسلمٌ له ما للمسلمين وعليه ما عليهم؟ وهل نال حقه في الحماية كما نصّت عهود الإسلام ومواثيقه؟ هل دخل البلاد وفق القوانين، مستأذنًا بعهدٍ وتأشيرةٍ ورسومٍ مدفوعة، أم عبر طرقٍ غير شرعية فرضت أزماتٍ إضافية على وطنٍ مثقلٍ أصلًا؟
أسئلة مشروعة لا يُراد منها إقصاء أحد، بل البحث عن ميزانٍ عادلٍ بين الحق والواجب. فليبيا لم تستعمر شعوبًا، ولم تُعرف يومًا بنهب خيرات غيرها، بل كانت لعقودٍ مقصدًا للتعليم والعلاج والعمل. دولٌ عديدة استفاد أبناؤها من الدراسة والعلاج المجاني، ومن تسهيلاتٍ تجاريةٍ وحدودية. لكن السؤال المؤلم اليوم: ما ذنب المواطن الليبي أن يتحمل أعباء الجميع، وهو الذي يرزح تحت أزماته الخاصة؟
الضحية الأولى… شعبٌ فقد صوته
ربما تختلف وجهات النظر حول السياسات والهجرة والعلاقات الدولية، لكن الحقيقة التي لا يمكن إنكارها أن الشعب الليبي هو الضحية الأولى.
في وطنٍ غنيٍ بالثروات، يقف المواطن في طوابير المصارف، ويبحث عن دواءٍ مفقود، ويطرق أبواب محاكم تستغرق قضاياه أكثر من خمس عشرة سنة، تُؤجل وتُعاد، ثم تُختصر في ساعةٍ واحدة، وكأنها حكاية عابرة لا وجعٌ إنساني متراكم.
العدالة تترنح في دهاليز الإجراءات، والملفات تتكدس، بينما الزمن يمضي على حساب أعمار الناس وأحلامهم.
وطنٌ بلا دواء… ولا طمأنينة
المشهد اليوم أكثر قسوة:
فقرٌ يزداد، سيولةٌ نادرة، مؤسساتٌ صحية تئن تحت وطأة الإهمال، وعياداتٌ خاصة لا يستطيع دخولها إلا من يملك ثمن الكشف.
وإن حاول المواطن البحث عن علاجٍ خارج الحدود، اصطدم بإغلاقها أو بتكاليف تفوق قدرته، ليجد نفسه محاصرًا بين المرض والعجز.
أما العملة الوطنية، فقد فقدت كثيرًا من قيمتها، حتى صار المواطن يشعر بالغربة في وطنه، بين أسعارٍ تشتعل وواقعٍ لا يرحم.
مدنٌ مثقلة بالأوجاع
كل مدينة تحمل نصيبها من المعاناة:
عطشٌ هنا، وتلوثٌ هناك، مزارعٌ ذبلت في الجنوب، مشاريع متعثرة، وبحارٌ لم تعد تمنح الصيادين رزقهم كما كانت.
وفي المقابل، يعيش أصحاب النفوذ واقعًا مختلفًا؛ سفرٌ ميسر، بعثات، امتيازات، وأمانٌ خاص.
تبدو ليبيا كأنها وطنان: وطنٌ للسلطة والقرار، وآخر للشعب والصبر.
بين الماضي والحاضر… درسٌ لم يُستوعب
في عام 2007، أشار معمر القذافي إلى فكرةٍ جوهرية مفادها أن اليأس حين يُغلق الأبواب أمام الإنسان — عملًا وحريةً وخدمات — قد يدفعه إلى طرقٍ مدمرة.
قد يُختلف معه في الطرح أو السياق، لكن الرسالة كانت واضحة: الظلم والتهميش يصنعان الاحتقان، والحرمان الطويل يهدد الاستقرار.
اليوم، يتكرر المشهد بصورةٍ مختلفة؛ شبابٌ بلا فرصٍ حقيقية، وأسرٌ تبحث عن أبسط مقومات الحياة، وشعبٌ يشعر أن صوته لا يصل.
الخلاصة… ميزان العدالة أولًا
ليبيا ليست ضد أحد، وليست مسؤولة عن مآسي العالم، لكنها أيضًا ليست عاجزة عن تحقيق العدالة لأبنائها.
العدل لا يعني إغلاق الأبواب في وجه الآخرين، ولا يعني فتحها بلا ضوابط.
العدل يبدأ بحماية المواطن، وصون كرامته، وتوفير الدواء والعمل والعيش الكريم له، ثم الانطلاق نحو التزامات إنسانية متوازنة.
فحين يُنصف الوطن أبناءه، يصبح قادرًا على إنصاف غيرهم.
وحين يستعيد الشعب صوته، تعود العدالة إلى مكانها الطبيعي… لا شعارًا يُرفع، بل واقعًا يُعاش.



