الرئيسيةالراي

رأي- “نقد شخصية “المتملق”

صحبة غراب ولا صحبة متملق!

 * كتب/ محمد جمعة البلعزي،

 تزدهر شخصية “المتملق” في البيئات التي يُعاقب فيها كل تفكير نقدي. إذ يحلّ التملق محلّ الحكمة السليمة.. ساعياً إلى كسب المزيد من الشعبية أو نيل رضا المسؤول. لا بدّ أن يكون كل شخص منّا قد جلس مع “متملق”..

ذلك الذي يسعى دائماً إلى التقرّب من أي شخص يملك ولو قدراً ضئيلاً من السلطة.. سواء كان المعلم أو الطالب الأكثر شعبية في الفصل.. أو زميل العمل الذي يُشيد بكل فكرة يطرحها المدير.. مهما كانت سيئة.. حتى لو كانت الفكرة تُناقض ما قاله المتملق قبل دقائق.

طبعاً.. لا علاقة لهذا التملق بالمجاملة أو الأدب أو الدبلوماسية.. لأن منطقه مختلف تماماً. يحلّ التملق محلّ الحكمة السليمة.. ساعياً إلى كسب المزيد من الشعبية أو نيل رضا المسؤول.. وما يتبعه من الحصول على شيء ما. هذه السلوكيات تميل إلى الظهور في بيئات تتركز فيها السلطة بشكل كبير.. حيث يكون الظهور بمظهر الصواب أهم من الصواب نفسه. وهكذا.. يعزز التملق الأنا وينتشر من شخص لآخر.. متنقلاً بين أولئك الذين يحتاجون إلى تأكيد مستمر ليشعروا بأهميتهم.

هذه الديناميكيات ليست جديدة. فعلى مر التاريخ.. تم تصوير المتملقين على أنهم انتهازيون يسعون لاستغلال أي موقف.

“صحبة الغراب خير من صحبة المتملق.. فالغراب يلتهم الموتى والمتملق يفترس الأحياء”. هذه العبارة.. المنسوبة إلى “ديوجين الكلبي” [تشاؤمي أو سلبي].. تُعبِّر عن ذلك خير تعبير.. فمن منظور فلسفي.. يُفهم التملق على أنه مشكلة سياسية واجتماعية.. لأنه لا يُهين شخصية من يمارسه فحسب.. بل يُعطي مزيداً من السلطة لمن يملكها أصلاً .يشير عالم السياسة التشيلي توماس تشواكي إلى أن “التملق فئة تحليلية قديمة جداً (…) في دراسة الشخصية الإنسانية.. ودائماً ما يحمل دلالة سلبية.. بل مُضحكة”.. وليس من قبيل المصادفة أنه احتل مكانة بارزة منذ اليونان الكلاسيكية.. ففي نصوص أفلاطون وأرسطو.. على سبيل المثال.. يُربط هذا المفهوم بالتملق الأناني للشعب.. وبالنزعة الشعبوية للديمقراطية.. وانحطاط الخطاب السياسي.

في الفكر السياسي لـ “جون لوك” يحتل التملق مكانةً بارزةً.. إذ يقول تشواكي: “بالنسبة للوك.. ينبع التملق من أشخاصٍ متنورين يُحرّضون الطامحين إلى السلطة.. مستغلين كبرياءهم الذي يُميزهم عادةً”. كان لوك قلقاً بشأن تركّز السلطة.. وجادل بأن النظام الشرعي هو الذي تُحدَّد فيه السلطات وتُوزَّع.

في هذا السياق.. لا يقتصر التملق على المبالغة في الفضائل أو اختلاقها لتحقيق مكاسب شخصية.. بل يُغذّي أيضاً كبرياء الطامحين إلى السلطة. لذا.. يُمكن لهذا السلوك أن يُهدد أي نظام سياسي قائم على تحديد حدود السلطة. ومع أن النظام السياسي يمتلك استراتيجيات للحدّ من السلطة.. ليس من الصعب أن نجد بين الحين والآخر زعيماً سياسياً.. رغم أفكاره أو تعليقاته السخيفة.. لديه دائماً دائرة مُقربة تُصفق له وتهتف وتضحك على دعاباته. لا يقتصر هذا على السياسة فقط.. فالتملق له عواقب وخيمة في أي بيئة عمل.. حيث يُمكن اعتبار انتقاد الرئيس أو المسؤول هجوماً شخصياً.

عندما تُتخذ القرارات المهمّة دون حوار صريح.. يدرك المفكرون النقاد أن الاختلاف في الرأي قد يكون له ثمن باهظ على الصعيدين الشخصي والمهني. لهذا السبب.. تُفضي الصفقات السرية في نهاية المطاف إلى بيئات عمل متواضعة وسامّة. أما المنظمات التي تُشجع على ثقافة التعبير الصريح عن الرأي.. فتحقق نتائج استراتيجية أفضل. ثم إن دراسات الموارد البشرية أظهرت على مر السنين أن الفِرق التي لا يُعاقب فيها على التعبير عن الشكوك أو الاختلافات تحقق نتائج أفضل.. وتُبدع أكثر.. وتكتشف الأخطاء مبكراً. في المقابل.. عندما يُفسّر النقد على أنه خيانة.. تتأثر جودة العمل سلباً. على سبيل المثال.. وحسب مسح عالمي أجرته وكالة “برايس ووترهاوس كوبرز” الاستشارية، على آمال ومخاوف القوى العاملة لعام 2025.. تبين أن الأشخاص الذين يتمتعون بأمان أكبر في وظائفهم- أي أولئك الذين يشعرون بحرية التعبير عن أنفسهم.. وطرح أفكارهم.. والتعلم من الأخطاء – هم أكثر تحفيزاً.. بنسبة تصل إلى 72%.. من أولئك الذين لا ينعمون بهذا النوع من البيئة.. فالانفتاح على الحوار والنقد البناء لا يُحسّن ثقافة العمل فحسب.. بل ومشاركة الموظفين والعمال وتحفيزهم. ورغم أن التملق للمسئولين قد يبدو مفيداً.. إلا أنه في نهاية المطاف يُؤدّي إلى بيئات عمل متردية وسامّة.. وبالرؤية من الخارج.. يسهل تمييز التملق.

ومع ذلك.. يبدو أن الشخص المُتملق والشخص المُتلقي للمديح والثناء والإطراء يُعزز كل منهما الآخر. فانعدام الأمن الوظيفي يُهيئ بيئة خصبة للتملق. يميل من يشكّون في شرعيتهم أو كفاءتهم إلى إحاطة أنفسهم بشخصياتٍ تُثني عليهم. فالمديح المستمر يُقلّل من الصراع ويُعطي وَهم الإجماع. لكنه إجماع هشّ.. بل زائف فوق كل شيء… ما الذي يُشكّل أساس هذه الديناميكيات؟

الكل يُحبّ تلقّي المديح.. لهذا استغلّت وسائل التواصل الاجتماعي هذا الميل الطبيعي.. فقد اعتدنا على تلقي “إعجاب” وتصفيق فوري.. وتأكيد مستمر.. وطبعاً الذكاء الاصطناعي يُدرك هذا جيداً. يقول سيمار باجاج في مقالٍ بصحيفة نيويورك تايمز: “رغم أن روبوتات الدردشة التي تعمل بالذكاء الاصطناعي تعِدُ بردودٍ مُفصّلة وشخصية.. إلا أنها تُقدّم أيضاً تأكيداً فورياً.. يقوم على إمكانية الشعور بالتقدير والفهم والقبول على الفور”. وينصحنا “باجاج” بألا ننسى أن برنامج ChatGPT  مُصمّم لإطرائنا.. ويُمكن لمن يفتقرون إلى جوقة من المُتملّقين اللجوء دائماً إلى الذكاء الاصطناعي لتعزيز غرورهم. لهذا السبب تحديداً.. بات من الضروري أكثر من أي وقتٍ مضى الحفاظ على مهارات التفكير النقدي.. وفي الوقت نفسه.. الاستعداد للاستماع إلى الآراء التي لا تُوافق رأينا. وما أكثر المتملقين في بلدي ومن يقتات على تملّقهم ليتسلط!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى