الرئيسيةفي الذاكرة

من مصراتة إلى إسطنبول.. رحلة الشيخ المدني بين العِلم والزّهد

* كتب/ عبدالوهاب الحداد،

بعد وفاة الشيخ “محمد بن محمد بن حسن بن حمزة ظافر المدني” دفين مصراتة، خلفه ابنه “محمد” في إدارة شؤون الزاوية المدنية.

هذا الابن الذي ذاع صيته، ونال مكانة بارزة بين علماء عصره على امتداد دولة الخلافة الإسلامية، حتى أقض مضاجع الغرب فسخّروا مفكريهم لنقد فكره، والطعن في دعوته.

اختلف المؤرخون في عام ولادة “الشيخ محمد”، بين عامي 1824 و1829م، واتفقوا على أنه ولد ونشأ في مدينة مصراتة الليبية. يصفه “الشيخ طاهر الزاوي” بـ “العالم العارف بالله، من أكابر المحققين الذين بذلوا جهدهم في النصح والإرشاد للمسلمين، أخذ عن والده وورث سره، وكان الخليفة من بعده”.

ويصف المؤرخ التركي “ریفناك أوغلو” الشيخ محمد بأنه: “أقرب إلى الطول، بهي الطلعة، أشهل العين، عالمًا فاضلًا عارفًا، من كُمَّل الرجال، لينًا هينًا حليمًا سليمًا، دائم الذكر، كثير الخلوة” فيما يقول عنه معاصره الكاتب “ولي الدين يكن” بأن الشيخ: “معروف بالصلاح، واجتناب الزخارف، وحب التواضع” وقد لقيه ووصفه بأنه “شيخ أبيض اللحية، أكحل الناظرتين، وسيم المحيا”.

وكان الشيخ قد ارتحل بين مدن العالم الإسلامي، فزار تونس والجزائر ومصر، واستقر عامين في المدينة المنورة مسقط رأس والده وأجداده، ثم حوالي عام 1870م وجّهت له دعوة لزيارة إسطنبول حيث استقر بحي أون كاباني، وتوطدت علاقته بالسلطان عبد الحميد منذ أن كان وليًا للعهد. ويذكر “يكن” أن السلطان عبد الحميد بعد توليته الخلافة (1876م)، زاد حبًا للشيخ وأجزل له العطاء، وشاد له تكيّة/ زاوية على يسار الطريق الموصل إلى قصر يلديز، وقد كانت “تكية الظوافر بناء شامخ الأركان، رحب المكان، تحيط به قضبان الحديد، فخم ظاهره، عار عن الزخارف باطنه”.

وتتكون تكية “الشيخ محمد” من مسجد أرطغرل، وزاوية، ودار ضيافة، ويرجح أن الانتهاء من بنائها كان بين عام 1305 هـ (1887 – 1888م)، وبعد وفاة الشيخ أضيف لها الضريح ومكتبة ونافورة نحو عام 1906م. وتظهر وثيقة عثمانية أن تكلفة بناء المسجد والزاوية قد بلغت حينها 10500 ليرة. وكان منتسبو الزاوية المدنية في كافة أرجاء العالم الإسلامي، يُستَقبلون كل عام في تكية الشيخ المدني بإسطنبول، فيتلقون العلم ويمنحون إجازات من شيوخها، مقيمين على نفقة أوقاف الزاوية.

 

وتشير رواية عائشة ابنة السلطان عبد الحميد إلى قصة علاقة والدها بالشيخ محمد، وأنه تعرّف عليه في جامع السليمانية خلال صلوات رمضان، وأُعجب بورعه، حتى انتسب إلى طريقته. وكان الشيخ، بحسب وصفها، رجلًا لا يؤذي أحدًا، ولا يتدخل في شؤون الدولة، يحظى باحترام واسع داخل السراي.

بينما تشير مصادر أخرى إلى أن علاقة السلطان عبد الحميد أول ما بدأت بالظوافر، كانت مع الشيخ حمزة، شقيق الشيخ محمد، ثم امتدت لبقية أفراد العائلة، وبالأخص مع الشيخ محمد وأبنائه من بعده.

وللشيخ محمد عديد المؤلفات، منها كتابه “النور الساطع” الذي نشره بإسطنبول عام 1884م، وطرح فيه مبادئ طريقته مركزًا على تعاليم الطريقة الشاذلية في التوحيد والتصوف، مع تعاليم تدعو لفكرة “الجامعة الإسلامية”، وهو الجزء الذي لقي هجومًا ونقدًا واسعًا خاصة من الفرنسيين، فقد كان من أهداف الشيخ المدني وأنصاره وقتها “وحدة المسلمين لطرد المسيحيين من إفريقيا”. إلى جانب ذلك ألف الشيخ “أقرب الوسائل لإدراك معاني منتخبات الرسائل” وكتابه “الأنوار القدسية في تنزيه طرق القوم العلية” إضافة إلى مصنفه “الرحلة الظافرية”.

يقول “ریفناك أوغلو” إنه على الرغم من توجه رجالات الدولة إلى الشيخ محمد، وصلته الوثيقة بالسلطان، إلا أنه كان زاهدًا في متاع الدنيا، معرضًا عن المناصب والعطايا، رافضًا للرتب والأوسمة التي كان يصر السلطان عبد الحميد على منحه إياها.

والشيخ في آخر حياته، كما يقول ابنه مصطفى، كان: “لا يريد من الدنيا إلا وقتا يعبد الله فيه، ويصلي على نبيه، وقد بلغ من الحظوة عند السلطان ما لم يبلغه سواه، فلا نال رتبة، ولا رضي وساما، ولا طمع في وظيفة يزاحم عليها أهل المطامع، بل عف عن كل لذة، وانصرف إلى الله عن كل جاه، وآثر الآخرة على الأولى، فهو يحب الفقراء ويجلس إليهم، ويستطيب مجالسهم، ولا تمت نفسه إلى مخالطة الكبراء أولي المطامع”.

بقي الشيخ محمد المدني على هذا النهج حتى وفاته، يوم الجمعة 11 رجب 1321هـ، الموافق 2 أكتوبر 1903م ودُفن إلى جانب مسجده في حي بشكتاش بإسطنبول، وأمر السلطان عبد الحميد ببناء مقام لضريح الشيخ. وقد خلفه من بعده نجله إبراهيم، الذي واصل على طريقة والده وجده، إلى أن صدر قرار بإغلاق التكايا والزوايا في تركيا عام 1925م على يد مصطفى كمال أتاتورك.

 

أخيرا.. إن هذه السيرة التي شهد بها القاصي والداني، بقدر ما تثير إعجابنا ودهشتنا بمكانة الرجل ومقامه، فهي تطرح أسئلة عن من حرّف وشغّب وشوّش ذاكرتنا، وشكّك في عقيدة مشايخنا وعلمائنا، وعمل جاهدًا على محو تاريخنا الإسلامي العتيد وطمسه، واستهزأ بمعالمه وشواهده، إن لم يكن بكذب لسانه، فبفعل قنابله ومفخخاته!

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المصادر:

*أبو القاسم سعد الله، تاريخ الجزائر الثقافي، المجلد 04، بيروت: دار المغرب الإسلامي، 1998.

 *الطاهر الزاوي، أعلام ليبيا، ط3، بيروت: دار المدار الإسلامي، 2004.

*خليل إريلماز، شيناي أوزغور، مبنى عبد الحميد الثاني مسجد أرطغرل، مجلة جامعة أردو لبحوث العلوم الاجتماعية، تركيا، مارس 2019.

*عائشة أوغلي، والدي السلكان عبد الحميد الثاني، ترجمة: صالح سعداوي، الأردن: دار البشير، 1991.

*ولي الدين يكن، المعلوم والمجهول، القاهرة: مؤسسة هنداوي، صدر الكتاب عام 1909، صدرت نسخة هنداوي عام 2022.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى