الاولىالرئيسيةالراي

رأي- رمضان… ذاكرة الانتصار وتحوّلات القوة

* كتب/ محمود أبوزنداح، ASD841984@GMAIL.COM

يستحضر المسلمون في شهر رمضان صفحاتٍ مشرقة من تاريخهم؛ فقد ارتبط هذا الشهر في الوعي الجمعي بلحظاتٍ فاصلة صنعتها الإرادة والصبر. فمن غزوة بدر إلى فتح مكة، ومن معركة عين جالوت، ظل الشهر الكريم في الذاكرة الإسلامية شهر العزم الذي تتجدد فيه روح النصر والتحدي.
غير أن المشهد الدولي اليوم يبدو أكثر تشابكًا. فالعالم يعيش حالة استنفار سياسي وعسكري، مع تصاعد التوترات في المناطق الإسلامية، وعودة القوى الكبرى إلى تحريك أساطيلها وموازينها الاستراتيجية في البحار المفتوحة. ويُشار في هذا السياق إلى ما يصفه بعض المراقبين بـ“إيقاظ العملاق الآسيوي”، في إشارة إلى تحركات الصين في أعالي البحار وتعزيز حضورها العسكري والاستراتيجي، في عالم تتسابق فيه القوى الكبرى على امتلاك أدوات الردع المتقدمة، ومنها السلاح النووي الحراري.
وفي قلب هذه التحولات تظل منطقة الشرق الأوسط (المناطق الإسلامية) بؤرة التوتر الكبرى. فالصراع المرتبط بسياسات دولة الاحتلال وما يحيط به من صدامات متكررة، يجر المنطقة إلى دوائر متلاحقة من العنف، ويضع أمريكا في موقع الانخراط الدائم في أزمات المنطقة، من لبنان إلى سوريا والعراق وصولًا إلى فلسطين ومجزرة غزة .
لكن في خضم هذا المشهد المضطرب، يبرز حضور إيران بوصفه عنصرًا لا يمكن تجاهله في معادلة القوة الإقليمية. فإيران ليست كيانًا طارئًا في تاريخ المنطقة، بل دولة ذات جذور حضارية ضاربة في عمق التاريخ، تمتد من الإمبراطوريات القديمة إلى الدولة الحديثة. وهذا الامتداد التاريخي منحها فهمًا عميقًا لجغرافيا المنطقة ومساراتها السياسية والاقتصادية.
وتكمن إحدى أهم أوراق القوة الإيرانية في موقعها الجغرافي الذي يتحكم في ممرات بحرية حيوية، وعلى رأسها مضيق هزمر، أحد أهم شرايين الطاقة والتجارة في العالم. كما أن امتلاكها قاعدة صناعية وعسكرية متنامية، خاصة في مجال الصواريخ، أتاح لها عنصر المفاجأة في أكثر من محطة، ومنحها أوراق ضغط إضافية في ميدان التفاوض الإقليمي والدولي.
ومع ذلك، يبقى السؤال الأكبر مطروحًا: هل تسير المنطقة نحو نظام إقليمي جديد تتوازن فيه القوى الكبرى، أم أن الشرق الأوسط سيظل مسرحًا لصراعات مفتوحة تتجدد بأشكال مختلفة؟
بين ذاكرة الانتصار في رمضان، وواقع السياسة الدولية المعقد، يبقى المشهد مفتوحًا على احتمالات متعددة. لكن المؤكد أن التاريخ في هذه المنطقة لم يتوقف يومًا عن إعادة صياغة نفسه، وأن موازين القوة فيها لا تُحسم بالسلاح وحده، بل أيضًا بالجغرافيا والتاريخ وإرادة الشعوب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى