الاولىالرئيسيةالراي

رأي- مشروع ليبيا الغد لم يكون من أجل ليبيا والليبيين..

* كتب/ خالد الجربوعي،

ليبيا الغد” مشروع أطلق في العقد الأخير من عهد النظام السابق بقيادة الابن المغدور مؤخرا سيف القذافي.

والحديث عن هذا المشروع لا ينتهي حتى بعد نهاية أصحابه، ويعود كل حين ليتصدر المشهد، خاصة عند كل حدث يتعلق بمن كان يفترض أنه صاحبه.. رغم أن المشروع في حقيقته هو وسيلة أراد من خلالها القذافي إظهار صورة جديدة لنظامه لتغيير سياسته التي اتبعها طيلة عقود حكمه..

هذا المشروع الذي ظن جل الليبيين أنه جاء من أجلهم ومن أجل تغيير حياتهم إلى الأفضل وسيكون الطريق نحو مستقبل أفضل مما عاشوه طيلة عقود تحت حكم القذافي وأعوانه، وهو ما أغرى الكثيرين للعمل فيه كلا حسب رؤيته وغايته منه، فهناك من كان يرى فيه فرصة للإصلاح كما سوق للمشروع.. وهناك من رأى فيه فرصة للاستفادة الشخصية ولو على حساب البلاد والعباد.. وهناك من رد من خلاله العودة إلى أرض الوطن بعد غربة السنين.

لكن الحقيقة الفعلية أن هذا المشروع لم يكن في يوم من الأيام من أجل ليبيا أو الليبيين فعليا، فالأمر جاء في ظروف فرضت على القذافي البحث عن مثل هذا التغيير فأراد أن يبحث عن مخرج يبقيه في كرسيه الذي شعر في لحظة ما أنه لو لم يقم بمحاولة تغيير ما ولو شكليا فإن الكرسي سيهتز من تحته.

“كيف ذلك وما هي الأسباب..؟!”

الأمر يتلخص في ما حدث بعد 11 سبتمبر عندما أراد بوش الابن أن ينتقم لما حدث فيه من كل من يرى أنه يشكل خطرا على مصالح أمريكا، وكل من يمكن أن يقوم -ولو بأدنى حد- بتهديدها.. فكانت البداية بأفغانستان ثم كانت الضربة الكبرى بالعراق والتخلص من “صدام” أحد أعداء أمريكا في السنوات الأخيرة من حكمه خاصة بعد غزوه للكويت، وطبعا كان على لائحة بوش الابن دول أخرى وأسماء قادة آخرين من بينهم ليبيا، خاصة حول موضوع السلاح النووي الذي تتهم به من سنوات.. لهذا بعد ما شاهد القذافي ما حدث في العراق، ولسجله الدامي مع أمريكا وخشيته مما يمكن أن تقوم به المعارضة الليبية في الخارج باستغلال تلك الظروف لزيادة التحريض عليه بعدما قامت به المعارضة العراقية من دور في غزو العراق، ومع الانفتاح الإعلامي الذي حدث نتيجة لثورة الاتصالات وخروج عديد الأصوات المعارضة على القنوات لمهاجمته ونظامه، هنا وجد القذافي ضرورة البحث عن وسيلة للخروج من هذا المأزق حتى ينجو بنفسه ولا يحدث له ما حدث لصدام، وبالتأكيد هناك من أشار عليه من الداخل والخارج بضرورة هذا التغيير ولو شكليا.. وهو لا يريد أن يظهر بنفسه في هذا التغيير، أولا لأنه سوف لن يجد من يصدقه بعد كل ما ارتكبه من جرائم في حق الليبيين وغيرهم، وكذلك حتى لا يظهر بدور المهزوم بعد أن أقر بنفسه بضرورة التغيير لسياسته التي اتبعها لعقود من الزمن ودفع ثمنها ليبيا والليبيون، فلم يجد من يقوم له بهذا الدور ألا أحد أبنائه، وباعتبار أن أكثر أبنائه لهم سجل دام وغير سوى لم يكن أمامه إلا ابنه سيف الذي قضى جزءا من عمره في الخارج، ويفترض أنه يملك الكثير من العلاقات الدولية وقبوله لدى عديد الدول الغربية، وكذلك أسلوبه المقبول الذي أظهر به نفسه لليبيين.

ليبدأ التسويق للمشروع بداية سنة 2004 ولو خلف الستار وبشكل غير مباشر وعلني حتى وجد من يدعمه محليا ودوليا، وكون حوله شبكة من الأعوان، خاصة من كانوا معارضين بالخارج وهم جزء مهم من المستهدفين بهذا البرنامج حتى تضعف شوكتهم ولا يكون لهم صوت موحد فتسقط ورقة مهمة من أياديهم في صالح النظام وهذا ما كان..

فقد انضم للمشروع الكثير منهم، وكل كما قلت سابقا لأسبابه الخاصة. وهكذا بدأ الحديث عن المشروع والتسويق لأهدافه من خلال حملة إعلامية لم يسبق لها مثيل عبر كل وسائل الإعلام محلية وخارجية، وفتحت من خلاله بعض الأبواب المغلقة وأعطى هامشا من الحرية التي بالتأكيد كانت تحت السيطرة، ففتحت الصحف والقنوات التلفزية التي يفترض أنها خارج سياق الدولة، وأنشئت الجمعيات الخيرية والحقوقية، ولكن كانت جميعها تحت سيطرة الأبناء والأعوان ولو في الخفاء، وتم الحديث عن طفرة تنموية في كل المجالات، فوقعت العقود وفتحت أبواب للحجوزات الإسكانية والإنتاجية وغيرها، وطبعا كان ما كان فيها من الفساد والإفساد، ربما أكثر مما كان في السابق بمراحل، لأن الهدف كما قلت هو الحرص على نجاة النظام من سطوة أمريكا بقيادة بوش.. وفتحت ملفات دولية استخباراتية للغرب وغيرها من أمور قام النظام بالتنازل عنها للغرب مقابل بقائه في السلطة، ويجب الاعتراف أنه نجح في استقطاب الكل إلى جانبه، فقدم المشاريع للشركات الغربية التي كانت محرومة من الاستثمار في ليبيا، ففتحت له أبواب تلك الدول واستقبله قادتها.. وللتأكيد أن الأمر لم يعدو عن كونه خوفا من إدارة بوش سنرى كيف بدأ الانقلاب عن المشروع وبدأ التراجع عن كثير من الخطوات التي منحت في السابق بمجرد انتهاء فترة بوش الرئاسية واستلام أوباما الرئاسة في البيت الأبيض..

هنا اطمأن القذافي على مصيره لتبدأ مرحلة التراجع عن مشروع الغد تدريجيا، حيث بدأ من جديد التضيق على هامش الحرية المحدود الذي منح للإعلام، فوقفت الصحف التي خرجت في فترة الحاجة وتم تأميم قنوات الغد لتعود إلى الدولة بشكل مباشر، بعد أن هدد القذافي بنفسه، بل وحاول هدم إحداها يوما لولا تدخل بعض أعوانه والإشارة إليه بنقلها إلى سيطرة الإعلام الرسمي وتبعية القناة الرئيسة في البلاد.. و بدأت المشاريع التنموية تتراجع في التنفيذ حتى أن المشاريع التي كان من المقرر أن تنتهي في سنة 2009 و2010 لم ينته منها شيء ولم تسلم شقة واحدة، ولم ينجز طريق واحد أو مشروع واحد من تلك التي تم التعاقد عليها في بداية (مشروع ليبيا الغد)، والتي كان من المقرر أن تنتهي مبكرا، كما أن ابنه عندما انتهى دوره طلب بنفسه الابتعاد عن الصورة، فبدأ يختفي تدريجيا، ولم يعد له دور مباشر بعد 2008م كما كان قبلها، إلا في قضايا محددة وأحيانا نادرة.. بل حتى هامش الحرية لعقد بعض الاجتماعات السياسية في صيغة لقاءات حوارية أو ما أطلق عليها “المنابر السياسية” حينها لبعض المعارضين أو طالبي التغيير، تمت مهاجمتها من قبل ما سمى بالحرس القديم وتعرض بعض المشاركين فيها للاعتداء، وأخبروهم أن دورهم انتهى، ولا مكان لمزيد من عقد مثل هذه اللقاءات مجددا.. إضافة إلى توقف الحديث عن دستور أخبرنا كثيرا الابن أنه كان شبه جاهز للعرض على الشعب في استفتاء عام، لكن كل ذلك سقط مبكرا وقبل حتى أحداث فبراير 2011 التي يتهمها الكثيرون بأنها سبب توقف هذا المشروع فعليا رغم براءته من ذلك براءة الذئب من دم يوسف.. ومن يريد التأكد من ذلك ما عليه إلا العودة لتلك السنوات ومعرفة تفاصيل ما حدث فيها فعليا، سيعرف حينها حقيقة هذا المشروع وكيف كانت نهايته ومتى..

 

 

 

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى