
* كتب/ خالد الجربوعي،
الثاني من مارس يوم كان يحتفل به القذافي باعتباره يوما تاريخيا لا سابق له.
اليوم الذي تم خلاله حسب وجهة نظره وأنصاره منح السلطة للشعب تحت تسمية وشعار إعلان سلطة الشعب ونقل الحكم إلى الجماهير الشعبية لتكون هي صاحبة السلطة والكلمة في البلاد لا حاكم ولا سيد ولا مسود، كما كان يرفع من شعارات حينها.. أيضا تم في هذا اليوم تغير اسم البلاد من “الجمهورية العربية الليبية” إلى الجماهيرية العربية الليبية الشعبية الاشتراكية قبل أن يضاف إليها العظمى لاحقا.
المهم في هذا اليوم الذي أعلنت فيها الجماهيرية، وسلمت السلطة للشعب ليكون هو الحاكم الذي يحكم نفسه بنفسه في فعل خارج المنطق والعقل والطبيعة البشرية، لكن الحقيقة الفعلية لما حدث أنه كان اليوم الفعلي لسقوط الدولة الليبية باسمها المعروف والرسمي (ليبيا)، ونظامها بإعلان نهاية دولة القانون والمؤسسات بشكل نهائي ودفنها فعليا، بعد أن كان تم قتلها عند إسقاط دستورها عقب انقلاب سبتمبر مباشرة بإعلان إيقاف العمل بدستور المملكة.. ثم في سنة 1973 وما عرف بإعلان زوارة التاريخي ونقاطه الخمس وثورته الثقافية تم إلغاء كافة القوانين والمؤسسات الرسمية.
ليأتي يوم 2 مارس 1977م، ويكون تتويجا لكل تلك الأفعال والجرائم التي ارتكبها القذافي وأعوانه، للتخلص من كل من يمكن أن يعارضه أو يقوم بفعل يسقطه أو يطالب بالتغيير للأفضل في أي لحظة، فأنهى كل الفئات والجماعات التي يمكن أن يكون لها دور ومكان من أجل قيادة أي تغيير أو معارضة، بداية بالمثقفين والشخصيات العامة، ومن يكونون في مقدمة الدعوة لكل تغيير، ثم كان القضاء على العسكر ومن يمكن أن ينقلبوا عليه كما فعل هو، وصولا إلى الطلاب الشعلة الشبابية التي كان يمكن أن تكون منبعا لكل معارضة وتطور قادم، فيما عرف بالسابع من ابريل 1976م.
ليكون هذا الإعلان وما يسميه بإعلان السلطة الشعبية هو النتيجة النهائية الحقيقية التي توج بها أفعاله السابقة من أجل السيطرة على البلاد والعباد، بشكل كامل، والتنصل من كل المسؤولية القانونية والرسمية فيما يحدث في البلاد وما يفعله بها هو وأعوانه، ممن ينفذون رغباته وتوجيهاته كما يسمونها في كل المواقع دون أي تحمل لنتائجها، وتحميل مسؤولية كل ما يحدث من ورائها للشعب.
وكان القذافي يكرر عند كل مناسبة أو لقاء إعلامي وخطاب أنه مجرد قائد ثورة، ولا علاقة له بحكم الدولة الليبية التي أسقط حتى اسمها من جل التسميات الرسمية، وحتى في المحافل الدولية، مستبدلا إياه باسم (الجماهيرية) رغم أنها ليست اسما بل صفة لنوعية الحكم ونظامه كما الجمهورية والملكية وغيرها، لكنه حوّل هذه الصفة الوهمية إلى الاسم الرسمي للبلاد، لتختفي (ليبيا) واسمها وتاريخها ونظامها وقوانينها ومؤسساتها الرسمية عمليا وفعليا، وتستبدل بجماهيرية فوضى وفساد وتصفيات وقبلية وجهوية وتقديس وعبودية للفرد، ومن هنا سقطت الدولة الليبية رسميا وفعليا وأصبحت مجرد مكان لا يعرف له نظام حقيقي ولا قانون طبيعي.
بل تحول كل شيء في البلاد إلى منظومة جديدة بشعار “شعبي عام” لا نظام فيه ولا قانون يحكمه، وكل شيء يتم فيها حسب مزاج المسؤول من بيده الأمر بالمكان الذي وضع على رأسه، ليس كفاءة ولا جدارة بل تملقا وقبلية وولاء.
فترفع فيها كل أنواع الشعارات الوهمية التي تحولت إلى أساس وجودها وطريق مسيرتها، فشرعن اغتصاب الأملاك والبيوت بشعار البيت لساكنه وقوانينه المجحفة ومنحها لغير أهلها.
فيما سقطت الصناعة ومصانعها ودمرت بعد الزحف عليها ممن يعملون بها، وتراجعت مواقع التصنيع والإنتاج بعد أن سيطر عليها الغوغاء ومن لا قيمة لهم بشعار شركاء لا أجراء، وإدارة ما عرف باللجان الشعبية ومن لا علاقة لهم لا بإدارة ولا بتسيير، فانتهى كل شيء إلى عدم، وأصبحت خربة لا أهمية لها بعد أن كان الكثير منها ينتج كل حاجيات المواطن، ولا مكان للاستيراد أمامها، لتتحول المصانع والمشاريع وكل أماكن الإنتاج العامة والخاصة إلى فوضى وعشوائية وملك مشاع لمن يعملون بها.
ولم يسلم من أفعاله حتى التعليم الذي أصبح مجرد عدد ورقم يفخر به زورا لا كيفا وقيمة وأهمية، تحت شعارات المدرسة يخدمها طلابها والإدارة الثورية والضباط المعلمين والتدريب العسكري للطلاب..
أما الصحة فحدث ولا حرج، فبعد أن سيطر الرعاع من لا علاقة لهم بها ولا كفاءة على إدارتها من أعلى المواقع إلى أسفلها، وأصبحت مستشفياتها ومجمعاتها ومراكزها الصحية الأولية تدار من شخوص غير مؤهلين، ولا معرفة عندهم عن كيفية إدارة مثل هذه الأماكن الحساسة، فقط لأنهم كانوا جزءا من أعوان النظام وجماعاته المختلفة من لجان ثورية وشعبية وغيرها، تمنحهم السلطة والشرعية لإدارة المستشفيات والمجمعات الصحية وغيرها، فتحولت الصحة إلى عدم وانتهى أمرها وأصبح البحث عن العلاج وراء الحدود هو الهدف والغاية لكل مريض يطلب الدواء والشفاء.
حتى الجيش وأجهزة الامن والشرطة لم تسلم منه، ومن فوضاه وجماهيريتها المزعومة، فحوّل الجيش إلى شعب مسلح تسوده الفوضى والاتكالية وغياب النظام، فحوّل المدارس إلى ثكنات عسكرية، وأسقط القوة النظامية واستبدلها بكتائب أمنية لحمايته وحماية نظامه، وتحت سيطرة المقربين وسلطتهم الشخصية لا النظامية والقانونية منه، حتى كبر أبناؤه وأصبحوا هم المسيطرين عليها ومن يقودونها ويتحكمون في مصيرها ومسارها، بل إنه وصفه في أكثر من مرة بأن “الجيش حشيش وطيش”.
أما أجهزة الشرطة فحدث ولا حرج، فقد حولها إلى أجهزة هامشية لا قيمة لها، بعد أن ابتدع لها أجهزة منافسة فوضوية تحت اسم الأمن الشعبي المحلي، الذي فتح فيه الباب لكل خارج عن القانون للانتساب إليه لتطبيق القانون الذي لا يعرف هؤلاء أهميته ولا قيمته، فحولت إلى شرطة وأمن وهمي، بحجة الأمن الشعبي، ليتحول كل شيء في البلاد إلى فوضى ووهم لا نظام ولا قانون ولا إدارة ولا مؤسسات حقيقية تسيّر البلاد وتنظم شؤونها.
وحتى القضاء لم يسلم منه، بعد إسقاط الدولة تم إنشاء المحاكم الموازية، شعبية وثورية لمحاكمة المتهمين ومن يقبض عليهم بحجة معارضين وضد النظام والسلطة، وأصدر أقسى الأحكام والعقوبات دون أي سند قانوني ولا محاكم عادلة.
هذا قليل من كثير مما نتج عن ما حدث يوم 2 مارس 1977م بإعلان ما سمى بسلطة الشعب، وكان يوم السقوط الحقيقي لدولة اسمها ليبيا أمام منظومة فوضوية مصطنعة اسمها الجماهيرية بعد سقوط دولتها وماضيها وقوانينها، وأصبحت القوى والمزاجية والقبلية وتنفيذ التوجيهات الثورية من قائد ثورته قبل كل قانون، ليكون هذا اليوم هو أحد الأيام السوداء في تاريخ ليبيا الحديث، إن لم يكن أكثرها سوادا، دفع الليبيون ثمن ما حدث فيه طويلا وعاشوا على أكاذيبه وأوهامه بحكم شعبي مباشر، لا مكان له ولا قيمة، استغله الانتهازيون واللقاقة ومن يدورون في فلك السلطة ويعيشون في جلباب القائد للسيطرة على البلاد ومقدرتها وثروتها، لتصبح حقا لهم، فيما الشعب يعيش الوهم والهرطقة باسم سلطة لا يملك منها إلا الكلام والتصفيق والهتافات.



