الرئيسيةالراي

هل تتحقق إرادة الجماهير؟

* كتب/ وحيد الجبو،

في هذا الوطن الممتد بين المتوسط  والصحراء، ستخرج الأصوات ذات يوم كما تخرج الطيور المهاجرة من أعشاشها، باحثةً عن فضاء يتسع لأحلامها المكسورة.

لم يكن خروج الناس عبثًا، ولا كان هتافهم نزوة عابرة؛ بل كان صرخة من أعماق القلب، وجعًا تراكم لسنوات من الانتظار والوعود المعلّقة على جدران الصمت. سيخرجون ليقولوا إن الكرامة ليست رفاهية، وإن الصحة والتعليم والتنمية الاجتماعية ليست منّة من أحد، بل هي حقّ يولد مع الإنسان كما يولد ظله معه.

لكن، وياللأسف، سيكون الجواب على هذه الصرخة هو القيد بدل الإصغاء، والهراوة بدل الحوار. وستمتلئ الشوارع برجال السلطة لا كإخوة ، بل كجدار عازل بين الشعب وصوته، وكأنّ صرخة الجوع إلى العدالة قد تحوّلت في نظر السلطة إلى جريمة. هنا، صار الوطن ساحة اختبار: هل يُبنى بالتخويف، أم يُبنى بالإيمان بمطالب الناس؟ هل يُدار بالقبضة الحديدية، أم بالحكمة التي تُحوّل الغضب إلى قوة بناء؟

لقد نسي من يلوّح بالقوة أنّ هذا الشعب لا يطلب المستحيل. لم يطلب الذهب ولا العروش ولا امتيازات، بل طلب كرامته البسيطة: مدرسة تُعلّم أبناءه بلا تمييز، مستشفى يطبب جراحه بلا إذلال، وخبزًا يخرج من عرق الجبين لا من موائد الفساد. ويطلب أن يرى وطنه ينهض من غفوته، وأن يستيقظ من كبوته، وأن يكون لكل قطرة دم سُكبت فيه معنى، ولكل شهيد مرّ من تاريخه ثمرة.

أما أولئك الذين يظنون أن القبضة  الحديدية سوف تخرس صوت الحق، فهم لا يعرفون أنّ الصرخة قد تكتم لحظة، لكنها لا تموت. قد يُطفَأ المشعل في يد متظاهر، لكن الشرارة تظل حيّة في قلوب الآلاف، تنتظر الريح لتعود أقوى. فالوطن ليس بنايات شاهقة ولا شوارع مرصوفة، الوطن هو روح الشعب. وإذا خُنقت هذه الروح، فلن تقوم للأرض قائمة.

رجال  التظاهر أنفسهم ليسوا أعداءً للشعب، بل هم أبناؤه، يحملون في وجوههم نفس ملامح الفقر والانتظار. كثير منهم خرج من المدارس المهترئة ذاتها، ووقف في طوابير المستشفيات نفسها. إنهم يعرفون تمامًا معنى أن يُهان المرء في وطنه، ومع ذلك إخوتنا من المناضلين والوطنيين يقدمون ما يملكون لخدمة الشعب. بينما المقربون والمتسلقون جالسون في مكاتبهم يتنعمون بالامتيازات ويبتسمون ساخرين. من مشهد الانقسام.

نعم، الشعب لا يريد تخريبًا، ولا يريد فوضى، فالوطن أمانة في أعناق الجميع. لكن كيف يصون الوطن من لا يجد فيه عدلًا؟ كيف يرفع العلم من يعيش بلا كرامة؟ كيف يُغنّى نشيد الوطن بأصواتٍ مخنوقة بالخذلان؟ الإصلاح ليس لافتة تُرفع في خطب المناسبات، ولا شعارا يتكرر في نشرات الأخبار، الإصلاح إرادة تُترجم بالقرارات، وعدالة تُمارس في الواقع، ومحاسبة لا تستثني أحدًا مهما علت درجته.

ليت من في أيديهم القرار يعلمون أن الزمن لا يرحم. من يُصرّ على إغلاق الأبواب بوجه المطالب سيجد نفسه يومًا أمام جدارٍ لا يقدر على تجاوزه. ومن يدفن صرخة الناس في الظلام، ستعود لتنفجر في وجهه نورًا أو نارًا.

الوطن ليس ملكًا لأحد، الوطن بيتنا جميعًا. ومن يهدمه بخيانة الأمانة، وفساد التدبير، واحتقار المطالب، هو من يستحق الزجر والمحاسبة. أما الناس الذين خرجوا ، فقد خرجوا لأنهم لم يعودوا يحتملون صمتًا أطول، ولأنهم يؤمنون أن الأوطان لا تُبنى بالهروب، بل بالصمود، ولا بالترهيب، بل بالعدل والمصداقية والمسؤولية.

إن التاريخ لا يُكتب بما تقرره الحكومات فقط، بل بما يفعله الناس حين يقررون أن يقولوا “كفى”. وسوف يأتي اليوم الذي ينطق به الشعب “كفى”؛ كفى عبثًا، كفى فسادًا، كفى انتظارًا. وإن لم تُسمع هذه الـ”كفى”، فستتحول إلى نار تحرق كل أوهام الاستقرار المزيّف.

أما إذا وُجدت الإرادة، فقد وُجد الإصغاء، ووُجد القرار الشجاع، فإن هذه الصرخة ستصبح بداية عهد جديد، عهد يُعيد الثقة للمواطن في وطنه، عهد يجعل الأمن حقًا، والتعليم أمانًا، والصحة كرامة.

عندها فقط سنقول: رحم الله من اتعظ، ورحم الله من اعتبر، فالأوطان لا تُبنى إلا بالعدل، ولا تُحيا إلا بالصدق، ولا تُحفظ إلا بالمحبّة بين شعبها وحكامها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى