
* كتب/ محمد عبدالجواد اللديد،
لطالما كان تاريخ الصحافة الليبية إبان الحقبة الاستعمارية الإيطالية صندوقاً مغلقاً، أو مساحةً تجنب الكثير من الباحثين الخوض في تفاصيلها، ربما خوفاً من التباس الحقائق أو انحيازاً للروايات التاريخية السائدة.
وفي الجلسة الحوارية التي احتضنها المركز الليبي للمحفوظات والدراسات التاريخية، قدم الباحث الأستاذ مصطفى محمد فنوش قراءة نقدية لمسيرة صحيفة ليبيا المصورة بنغازي 1930، محولاً التركيز من الصحيفة ككيان إلى الصحيفة كإرادة، متمثلةً في شخصية رئيس تحريرها عمر فخري المحيشي.
تكمن الرؤية النقدية لفنوش في نزع الهالة المقدسة عن الشخصيات التاريخية، إذ تناول المحيشي بوصفه نموذجاً للمثقف الوطني الذي وُضع أمام معضلة وجودية، كيف يمكن ممارسة التنوير في ظل سياق سياسي استعماري يسعى للمحو الثقافي؟ لم يقدم فنوش المحيشي كبطلٍ مطلق، بل كإنسانٍ مر بمراحل تدوير فكري ومواقف متذبذبة بين الإيجاب والسلب، وهي قراءة تبتعد عن التمجيد العاطفي لتدخل في صلب التحليل التاريخي الموضوعي.
إن هذا الطرح يكشف أن المقاومة الثقافية التي قادها المحيشي عبر ليبيا المصورة لم تكن مواجهة مباشرة فحسب، بل كانت ضرباً من المناورة الثقافية الذكية التي استهدفت تشكيل وعي الشباب وأعيان المجتمع في وقت كانت فيه إيطاليا الفاشستية تضيق الخناق على كل فكرٍ حر.
إننا أمام شخصيةٍ استثنائية لم تنل حظها من التوثيق، حيث يبرز فنوش المحيشي كمهندسٍ لوعيٍ جمعيٍ حاول الحفاظ على الهوية الليبية عبر الكلمة والصورة، إن هذه الرؤية النقدية تجعل من تجربة المحيشي نموذجاً تحليلياً يُدرس؛ فهي تكشف كيف استطاعت النخب الليبية، رغم القمع، أن تُبقي شعلة التنوير متقدة.
وبذلك، تأتي دعوة الأستاذ فنوش من منصة المركز الليبي للمحفوظات لتؤكد أن إعادة الاعتبار لشخصيةٍ مثل عمر فخري المحيشي ليست مجرد ترفٍ توثيقي، بل هي محاولة لاستعادة جزءٍ أصيل من هوية الوعي الليبي المفقود، وتأكيداً على أن تاريخ الصحافة الليبية ليس مجرد أرشيفٍ مهمل، بل هو سجلٌ حي لصراع الإرادات الوطنية التي رفضت الانكسار أمام محاولات الطمس الثقافي.



