
* كتب/ مصطفى القعود،
(في آخر الليل روحنا زي كل الناس.. في آخر الليل .. وفوت اليوم من عمري زي كل الناس في آخر الليل…..)..
لازالت هذه الكلمات ترن في أذني وأجد نفسي أرددها بلحنها الشجي كلما ذكر أمامي أو قرأت أو سمعت لحناً للموسيقار علي ماهر. ولازالت الذاكرة تحتفظ ببعض من مشاهد تلك الأغنية المصورة بالأبيض والأسود والتي تعتمد بشكل رئيسي على تقلّب الممثل الذي يجسد معاني الأغنية على فراشه ممسكاً بالوسادة دون أن يجد للنوم سبيلاً .. والأجمل في تلك الأغنية أنها كانت بصوت الموسيقار وإخراجه المرئي.. لم أكن في ذلك الوقت أعرف من هو علي ماهر ولكنني مع مرور الأيام وتوالي إبداعاته عشقته حتى أن المحيطين بي أدركوا ذلك ، وأذكر أنني في يوم كنت مريضاً فجاءني خالي للاطمئنان عليّ فسألني (هل شاهدت آخر إبداعات صاحبك علي ماهر؟!) قلت له : لا .. فقال (فاتك نص عمرك ..أمّأ أدّاله بع) وبعد مماطلته المحببة وتوظيف قدرته المعتادة على التشويق أخبرني بأن التلفزيون الليبي بث اليوم قصيدة مكتملة الإبداع بعنوان (غني لي الليلة) بصوت الفنان عبدالهادي بلخياط وبكلمات للدكتور علي فهمي خشيم .. وبمقدمة موسيقية ساحرة معبرة وبنقلات شجية وبإيقاع جديد على الأسماع وبقفلة ولا أروع كلها من صناعة وابتكار الموسيقار .
حيرة
المشكلة التي تواجهني دائماً عندما أتصدى للكتابة عن الرجل هي : من أين أبدأ وكيف أخرج ما في داخلي من عشق قد يصل إلى التقديس في سطور ..إنه كقارورة العطر الثمين الفاخر كل نقطة تخرج منها تنشر الرائحة الزكية وعندما تقترب من النهاية تمتلئ من جديد بعطر أثمن ، ولهذا .. ولأنني بدأت بأغنية بصوت الموسيقار فإنني سأركز على الأعمال الغنائية التي استمعنا إليها بصوته وهي كثيرة .. فعلى سبيل الذكر (في اخر الليل .. الحرمان .. نور على نور.. لما حبيتك ماسألتش حد .. والقمة أحب الربيع) والحقيقة أنني أجد في كل الأعمال التي سمعتها بصوت علي ماهر شئ مختلف وطعم آخر ولاحظت الإحساس العالي في الأداء والعُرب غير المبالغ فيه ودقة ومهارة الصائغ وحرص علي ماهر بأن تصل للمتلقي في أحسن صورة وبالشكل الذي هو فقط من تخيّله ..فبالله عليكم هل استمعتم إليه وهو يلومها بقلب محترق : (بتوزعي الشربات في ليلة عيدك .. قلبي أنا الملهوف…) ألم تشعروا معي بكمية الإحباط الهائلة الممزوجة باللهفة الموصولة بالرجاء ألم تسمعوا دقات قلب المطرب ؟!! كل ذلك جسده علي ماهر في أغنية أسماها الحرمان مع ما حملته الأغنية من إشارات ورموز ورسائل غير معلنة ، وقد نجح في اصطيادنا وجرّنا إلى منطقته لدرجة أننا تمنينا أن نغثه بالمشروب حتى يريحنا ويريح قلوبنا الضعيفة سامحه الله..
أما أغنية في اخر الليل وهي على فكرة لم تأخذ حقها إعلامياً فهي راقية المضمون ونبيلة في رسالتها وتعبر عن التعب والجهد الذي يبذله الأنسان في سبيل أداء عمله حتى يحصل على قوت يومه .. والمعروف عن علي ماهر دقة اختياره للأعمال التي تصب في هذا الاتجاه فقد أهتم بمعاناة البّحار والمسافر والمغترب والفلاح وتربية الأبناء .. وغيرها من الحالات الإنسانية … وعودة للعمل السابق فألخص ما أريد قوله بأن الموسيقار تقمّص المعاناة وقذفها في وجوهنا لكي نشعر بمعاناة الآخرين من الطبقة الكادحة يومياً لأجل استمرار حياتها وحياة أسرهم .
تأثير أم تأثر؟!
هذا هو الحال في أعمال الأستاذ علي ماهر التي سمعناها بصوته ، ولكن ماذا عن الأعمال الغنائية التي أداها مجموعة من الفتانين وهي من ألحانه ثم سمعناها بصوته ؟
سمعت الكثير من الأغنيات التي تغنى بها مطربون آخرون من إبداع علي ماهر ثم سمعتها بصوته فرأيت العجب العجاب ودارت في ذهني تساؤلات مشروعةً .. رأيت التطابق التام في طريقة الأداء ولا أقول الصوت لأن كل صوت حباه الله يشئ تميز به عن غيره .. ولكنني كما قلت أتحدث عن الأداء ، مخارج الحروف ، العُرب ، الإحساس.. ما هذا التطابق العجيب ؟! هل علي ماهر من طلب منهم ذلك أو أن من يتغنى بألحانه يتأثر به أو أنه الحب الذي يجمعهم والثقة في موسيقارهم هي السبب .. أم ماذا ؟!..
بالله عليكم أعيدوا الاستماع لأغنية (ودي نقي) للمبدع الغائب والذي كان مشروعاً لنجم كبير الفنان مراد اسكندر كيف أدى رائعته وكيف هي بصوت صاحبنا ماهر ، وعودوا إلى أغنية (لومي) للمبدع فتحي أحمد وعندما غناها علي ماهر .. وهكذا الأمر دائماً مع بقية الأعمال التي تغنى بها آخرون ثم استمعنا إليها بصوت علي ماهر.
ديكتاتورية الموسيقار الجميلة
ما يميز صاحبنا أنه ديكتاتور في عمله إلى أقصى حد ولكنها دكتاتورية في محلها واستبداد مطلوب للنجاح .. ولذلك تجده من القلائل الذين يشرفون على تنفيذ أعمالهم بأنفسهم حتى تصل بالصورة والشكل الذي يتمناه والذي تخيله ورأينا ذلك في أغنية لكل الناس لميادة الحناوي وهي لقطة ذكية منه عندما وثق العمل بالصورة من خلال وجوده في الأستديو ، وكذلك فعل في أغنيتيه للفنانة أصالة ، وربما يقوم هو بالإخراج المرئي لأعماله كما حدث في قصيدة وقف عليها الحب خالدة الذكر ، لذلك فعلي ماهر حالة ليبية فريدة ليس لها مثيل..
وعلى ذكر الدكتاتورية والسيطرة والتحكم التي هن علامة مسجلة بإسم الموسيقار أنه أستطاع أن يكبح اندفاعات المطربة أصالة في استعمالها للعُرب بشكل مبالغ فيه لدرجة إيذاء أذن المتلقي في كثير من الأحيان .. ولكن استمعوا إلى أغنيتيها (شط الحنان .. وماشي من سيرتكم ) وكيف استطاع موسيقارنا أن يفرض عليها التخفيف بل أحياناً التوقف عن هذا العبث لأنه حريص على أعماله حرصه على نفسه وأضيف في آخر سطوري أنه في فترة من الفترات الماضية دخل إلى ليبيا كل من هب ودب إلى ليبيا رغبة في الحصول على أغاني ربما حباً أو طمعاً ولهذا استمعنا إلى عشرات الأغاني بألحان ليبية لأصوات خارجية .. ولكنه فقط الموسيقار علي ماهر لم يفتح ذراعيه إلا للكبار أمثال فهد يلان أو ميادة الحناوي أو وديع الصافي أو لطفي بوشناق .. وأغلق أبوابه في وجوه الأدعياء ومرتزقة الفن ..
سامحوني في أن أضيف بأن دكتاتورية علي ماهر الفنية تختلط بكرامته التي تميز بها على المستوى الإنساني فهو ليس متسولاً ولا مفلساً ، ولكم في موقفه الرائع مع مدير إذاعة سابق عندما حاول تجاهله بحجج واهية وأدعى بأن علي ماهر قد أفلس فنياً وكيف رد عليه موسيقارنا في لقاء صحفي شهير نشرته صحيفة أويا وقد تحدث بشجاعة ووضع النقاط على الحروف في زمن ضاعت فيه الحروف فما بالك بالنقاط.
لقد ارتقيت مرتقىً صعباً عندما أردت الكتابة عن الموسيقار علي ماهر، لدي الكثير من الكلمات التي تتزاحم في صدري وما ذكرت إلا القليل فالكتابة عنه جميلة ممتعة ولكنها صعبة في البداية والختام.



