
* كتب/ د. محمود أبوزنداح،
في بئرٍ عميق ذي أنبوبةٍ ضيقة، سقط طفلٌ صغير لا يتجاوز الخامسة من عمره، في بلادٍ بائسة تنعم بخيراتٍ لا تُحصى، لكنها لا تعرف إلا الصحراء. تصحّرٌ في كل شيء؛ في الخدمات، وفي الإدارة، وفي الضمير، حتى أصبحت الأزمات تُقاس بمدى التصحر الذي أصاب كل قطاع.
بلادٌ تعج بالأوبئة، والمبيدات، والأدوية المغشوشة أو منتهية الصلاحية، بينما يغيب فيها الأمان، ويصبح الإنسان آخر الأولويات.
هرعت جميع الأجهزة المختصة، والأطقم الطبية، وفرق الإنقاذ إلى موقع البئر. حُفرت حفرةٌ موازية، وسُخّرت الإمكانات كافة، وأُنزلت الحبال والخراطيم، واستُخدمت أحدث الوسائل، لكن جميع المحاولات باءت بالفشل.
واستُعين بدول الجوار، ثم بالدول الكبرى والمتقدمة، علّها تجد حلًا، إلا أن كل الجهود توقفت أمام ضيق ذلك البئر.
وسط الأهالي، كان هناك من يبكي، ومن يدعو، ومن يراقب بصمت، ومن اكتفى بتحريك عينيه دون أن يمد يدًا للمساعدة.
وعلى أعلى ركام التراب الناتج عن الحفر، جلس الجد الكبير، يتأمل المشهد بصمت، وكأنه يقرأ ما لا يراه الآخرون.
كان يراقب طفلًا في الثانية عشرة من عمره، يتحرك بين الناس، يحاول الاقتراب، يريد أن يرى الحقيقة بعينيه. لكنهم منعوه مرةً بسبب الازدحام، وأخرى بحجة سير العمل، وثالثة لأن الصغار لا مكان لهم وسط الكبار.
ومع وصول الجميع إلى أولى لحظات اليأس، فُتح له الطريق أخيرًا. نظر إلى البئر، ثم صاح بثقة:
“أنزلوني… أستطيع إخراجه.”
والغريب أن أحدًا لم يمنعه، ولم يسأله إن كان قادرًا، بل تعالت الأصوات من كل مكان:
“نعم… هيا… هيا!”
لم يسأل أحد عن أهله، ولا إن كان سيواجه خطرًا قد يودي بحياته، ولا من يتحمل مسؤولية إنقاذه إن عجز عن العودة. ففي تلك اللحظة، لم يعد الأمر مجرد إنقاذ طفل، بل كان إنقاذًا لروح طفل، وإنقاذًا للناس جميعًا. كان إنقاذًا لروح وطنٍ يمتد تاريخه طويلًا، ومحاولةً لانتشال بلادٍ من غوغائية السقوط، حين يعجز الجميع ويُفتح الطريق لمن يملك الشجاعة والإرادة.
نزل الطفل… ونجح.
أخرج الصغير من ظلمة البئر إلى نور الحياة.
تلقّف الناس الطفل الذي أُنقذ، وتعالت صيحات الفرح، ثم اتجهت الأنظار إلى طفلٍ آخر، بعدما تبيّن أنه ابن مسؤول البلدة.
أما المنقذ الحقيقي، فوقف بعيدًا، لا ينتظر تصفيقًا، ولا كلمة شكر، ولا حتى نظرة امتنان.
كان ابن الفقير… المتعلم… الراقي… المتقدم.
وفي خضم ذلك المشهد، نهض الجد الكبير من أعلى التل، واتجه بخطواتٍ ثابتة نحو الطفل المنقذ، واحتضنه قائلًا:
“شكرًا لك… لقد كنت على حق، وإن كنت وحدك.”
هكذا يصنع الأبطال التاريخ؛ لا ينتظرون إذنًا، ولا يبحثون عن شهرة، ولا تقودهم المناصب، بل تقودهم الشجاعة والإيمان بأن إنقاذ إنسان هو بداية إنقاذ وطن.



