
* كتب/ منير الساعدي،
هناك استعارة يتداولها بعض المتابعين للشأن السياسي الليبي تُعرف بـ”البيضة المرجوجة”.
وهي ليست نظرية سياسية بالمعنى العلمي، وإنما صورة مجازية تصف حالة من الحركة المستمرة دون الوصول إلى استقرار أو حسم. فالبيضة حين تُرجّ تبقى في حالة اضطراب دائم، لا تستقر ولا تنكسر، وهذا ما يراه البعض قريبًا من واقع المشهد الليبي؛ مبادرات متلاحقة، اجتماعات متكررة، وتحركات متعددة، لكن دون اختراق حقيقي للأزمة.
المفارقة أن ليبيا لا تعاني من نقص في المبادرات، بل ربما تعاني من كثرتها. فما إن يظهر مسار حتى ينافسه مسار آخر، وما إن تبدأ الأطراف في مناقشة مقترح حتى يظهر مقترح جديد يعيد ترتيب الأولويات، فتتحول الأزمة من البحث عن حل إلى إدارة مستمرة للأزمة.
وفي هذا السياق، برزت خلال الفترة الماضية المبادرة المعروفة إعلاميًا بـ”مبادرة بولس”، والتي أثارت جدلًا واسعًا في الأوساط السياسية والإعلامية، وانتشرت بشكل كبير في منصات التواصل الاجتماعي، وأصبحت موضوعًا لتحليلات كثيرة. إلا أن الجدل حولها لم يكن فقط حول مضمونها، بل حول مصدرها وخلفياتها؛ خصوصًا مع عدم تبنيها رسميًا من بعض الجهات التي نُسبت إليها، ووجود حديث عن تدخلات أو مواقف إقليمية متباينة بشأنها.
وهنا يبرز السؤال الذي يشغل كثيرًا من المتابعين: إذا كانت هذه المبادرة لا تمثل جهة معلنة بشكل واضح، فمن يقف خلفها؟ وهل نحن أمام مبادرة مستقلة، أم أنها جزء من ترتيبات أوسع، أو محاولة لاختبار ردود الفعل قبل طرح مسار أكثر وضوحًا؟
وفي المقابل، ظهرت تحركات أخرى، من بينها ما يُتداول عن مبادرة باكستان، التي يطرح البعض احتمال كونها مسارًا موازيًا أو ما يمكن وصفه بـ”الخطة ب” في حال تعثر مسار المبادرة المعروفة إعلاميًا بمبادرة بولس. ومهما يكن من طبيعة هذه المبادرات، فإن كثرتها تطرح سؤالًا جوهريًا: هل نحن أمام تعدد حقيقي للخيارات، أم أمام تعدد للمسارات يزيد المشهد الليبي تعقيدًا؟
في الجهة الأخرى، توجد مسارات ذات طابع مؤسسي أكثر وضوحًا، من بينها مبادرة المجلس الرئاسي ذات الرعاية الليبية، والتي تهدف إلى دفع مسار توحيد المؤسسة العسكرية، إلى جانب جهود بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا لمعالجة الخلافات المتعلقة بالقوانين الانتخابية، باعتبارها إحدى القضايا الأساسية التي تعيق الوصول إلى الانتخابات.
لكن المشكلة الأساسية، في تقديري، ليست في عدد المبادرات ولا في أسماء أصحابها، بل في البيئة السياسية التي تستقبل هذه المبادرات.
فالأزمة الليبية، في جوهرها، ليست أزمة مقترحات، وإنما أزمة دولة. لقد تعرضت مؤسسات الدولة خلال سنوات الانقسام إلى حالة من التآكل، حتى أصبح القرار العام مرتبطًا بالأشخاص أكثر من ارتباطه بالمؤسسات. وأصبحت بعض الملفات تُدار عبر تفاهمات بين شخصيات ومراكز نفوذ، بدلًا من أن تُدار عبر قواعد مؤسسية واضحة.
وهنا تكمن العقدة الحقيقية؛ فالدولة التي تُختزل في الأشخاص تصبح أسيرة لتغيراتهم، بينما الدولة التي تقوم على المؤسسات تمتلك القدرة على الاستمرار مهما تغيرت القيادات. فقد أدى ضعف المؤسسات إلى بروز مراكز نفوذ متعددة، سياسية وعسكرية واقتصادية، وفي بعض الأحيان ذات امتدادات اجتماعية أو عائلية، بحيث أصبح النفوذ الشخصي قادرًا على التأثير في مسار الدولة أكثر من قوة المؤسسة نفسها. وعندما يحدث ذلك، تصبح الاتفاقات قابلة للتبدل، لأن أساسها هو التفاهم بين الأطراف لا قوة القانون والمؤسسات.
ولهذا فإن المشكلة ليست فقط في فشل المبادرات، بل في غياب البيئة التي تجعل نجاح أي مبادرة ممكنًا. فحتى أفضل الاتفاقات ستبقى هشة إذا لم تستند إلى مؤسسات قوية قادرة على تنفيذها وحمايتها.
لقد أصبح المشهد الليبي، في كثير من الأحيان، أقرب إلى إدارة الأزمة منه إلى حلها. تتغير المبادرات، وتتبدل العناوين، وتكثر اللقاءات، لكن جوهر المشكلة يبقى قائمًا: ضعف الدولة وتقدم الأشخاص على المؤسسات. أعتقد بأن ليبيا اليوم لا تحتاج إلى مزيد من المبادرات بقدر حاجتها إلى إعادة بناء الدولة. فالمبادرة قد تفتح بابًا، لكنها لا تصنع دولة. والاتفاق قد يوقف خلافًا، لكنه لا يبني مؤسسة.
وفي النهاية، فالمعركة الحقيقية ليست بين مبادرة وأخرى، ولا بين طرف وآخر، بل بين منطق الدولة ومنطق مراكز النفوذ. فإذا انتصرت المؤسسة، أصبحت المبادرات أدوات للحل. أما إذا بقيت الدولة رهينة للأشخاص، فإن “البيضة المرجوجة” ستظل تدور؛ حركة مستمرة، وضجيج سياسي متواصل، وأزمة تُدار… لكنها لا تُحل.



