الرئيسيةالراي

رأي- المخبوزات والتشريعات

* كتب/ أنس أبوشعالة،

التشريع الوضعي (من صنع الإنسان) يتدرج في أساسه إلى ثلاث درجات، أعلاها الدستور وأوسطها القانون وأدناها القرار.

أما الدستور فأغلب أحكامه موجودة قبل كتابته. ويكون النص عليها كشفاً لها، ولا تنشأ من العدم إلى الوجود بالنص عليها، مثل الحق في الحياة والحق في الحرية والحق في الزواج والحق في العمل والحق في التعليم، ولا تكون نصوصه المُنشأة إلا فيما يتعلق بشكل السلطة وأدوات الحكم.

أما القانون فيصدر لتنظيم أحوال وحياة الناس، بمنع وحظر ما يشكل تهديداً وفساداً للمجتمع، أو لتنظيم شؤون وأعمال الناس، وهذا الأمر يجب ويلزم أن يتسم بالموضوعية والتجرد، وأن يكون القانون صالحاً للتطبيق مُصلحاً للأحوال عادلاً في أهدافه ومبتغياته التشريعية، والقرار يصدر عن الحكومة لتنظيم وتسيير أعمال الدولة والمواطن، ويتسم القرار بالمرونة والتأقيت الزمني المحدود نسبياً بالمقارنة بالقوانين.

الهدف مما تقدم قوله، التأكيد على أن القوانين يجب أن تصدر بعد دراسة مستفيضة، تستغرق مدة ليست يسيرة من الزمن، والدراسة تقوم على إحصاءات دقيقة وآراء متخصصة وخبيرة، تكيف وتعرف وتشخص الحالة التي تُعنى بالتشريع، وإنزال أحكام الحكمة والعدالة والإنصاف في معالجتها، وبعد ذلك يأتي دور المتخصصين من علماء اللغة العربية القانونية “لغة التشريع” حتى يكون النص جامعاً للحالة محل المعالجة مانعاً من احتمالات التأويل أو الغموض بما يسهل على المخاطبين به فهمه وإدراكه والعمل بمقتضاه، ويكون يسيراً على القضاء إنفاذ أحكام التشريع بشكل يستقيم مع إرادة المشرع.

أبعد تشبيه للتشريع هو تحضير الزميطة والعجين، فالعجين عبارة عن سكب الماء على الدقيق وعجنه وان شئت زدت دقيقاً لتسميك العجين أو زدت ماءً لترطيب العجين، وكذلك الزميطة فهي عبارة عن سكب الماء على دقيق الزميطة حتى يكون فُتاتاً مطحوناً وزيادة الزيت حتى يكون قوامها رطباً وسائغاً للآكلين، ويقال زيادة زيت أحلى زميطة، ولعل خبراء العجين هم أهل للتقدير في مقام الخبز والخبيز، ولكنهم آخر الناس المؤهلين لمهام التشريع وسن القوانين، وبغير هذا النظر فلا تستغرب مواجهة تشريعات تصلح لعرضها في أرفف محلات المخبوزات والمعجنات.

والآن. إذا ما اشتهيت رشتة أو بازين ولم تجد دقيقاً لغرض التحضير فقد تستطيع الاستعانة بإحدى التشريعات الحديثة ووضعها في قدر يحمل ماءً مغليا، وستنعم بألذ بازين ورشتة. وربما عصيدة، وستكون بالرُب الذي كتبت به تلك التشريعات،،،،

للكاتب أيضا:

رأي- صناعة الجريمة

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى