
* كتب/ خالد الجربوعي،
منْحُ الأمريكان الكلمة الأولى والأخيرة والوحيدة في الأزمة الليبية أمر غير سوي، ويدل على طفولة سياسية، لأن السياسي المحنك لا يضع كل البيض في سلة واحدة..
صحيح أن الدور الأمريكي مهم وله قيمته في حل الأزمة الليبية، لكن الأمريكان ليس بيدهم العصا السحرية، كما أن ليبيا ليست بتلك الأهمية أو لها الأولوية حتى يكون حل أزمتها أمرا ضروريا في أسرع وقت، فليبيا مجرد دولة عادية جدا للولايات المتحدة أمام غيرها من دول، فأمنيّا وسياسيا هي لا تهدد الأمن القومي الأمريكي بوضعها الحالي، ولا تشكل ذلك الخطر الذي يجعل الأمريكان يسرعون ويجتهدون لحل أزمتها ويبذلوا كل ما يمكن من أجل ذلك..
وجغرافيا ليست في موقع له الأولية الأمريكية كما مواقع إقليمية أخرى تشهد أحداثا أكثر أهمية، وأولى بالاهتمام الأمريكي الأكبر، وإن كان الأمر لا يعني عدم وجود اهتمام أمريكي نسبي بليبيا وموقعها الجغرافي، ولكن ليس كما يتصوره البعض ويضعه في أولى أولويات الأمريكان في حسابات خاطئة طيلة الوقت..
واقتصاديا ليبيا دولة محدودة الدخل خاصة في هذه المرحلة، ولا تشكل محورا اقتصاديا هاما له أهمية كبيرة للاقتصاد الأمريكي، بل حتى نفطه وهو المورد الأهم والأساسي لا يشكل ذلك الحجم والقيمة التي يمكن أن تؤثر على أسواق الطاقة، وتغير من أسعارها أو مسارها، وما شهدناه طيلة سنوات عند إقفال الحقول النفطية الليبية لعدة فترات وعدم وجود أي تأثير حقيقي وفعلي كبير على أسواق النفط أو تغير أسعاره إلى الأعلى، بل أحيانا يحدث العكس، خير دليل ويؤكد هذا الكلام، الذي قد يرفضه البعض ممن يضخمون الأمور، ويرفعون من منسوب الأهمية الفعلية للبلاد إقليميا ودوليا.
إضافة إلى ذلك أن كل الأطراف الليبية بكل أطيافها تطلب ودهم وتريد رضاءهم؛ لهذا هم لا يخشون من وصول أي طرف للسلطة يمكن أن يعاديهم أو يشكل لهم بعض القلق في يوم من الأيام، وليسوا مستعدين للتخلي عن أي طرف من الأطراف أو إخراجه من المشهد، لهذا سيعملون على فرض الحلول التي تمنح الجميع حصتهم دون أي إقصاء، لأنهم جميعا في اليد، ولا يخرجون عن الطاعة والولاء..
ربما يشكل التواجد الروسي بعض الإشكالية خاصة عندما يحاول أن تكون له قدم في جنوب المتوسط بشكل كبير، فالأمر هنا قد يستدعي منهم البحث عن حلول نسبية تكون في خدمتهم ولا تعرض مصالحهم لأي خطر وتعمل على منع الروس من أخذ ما يريدون، لكن ليس بذلك الشكل وتلك الأهمية التي يظنها الليبيون.
أما التهديد الآخر الذي تخشاه في ليبيا وفي غيرها من الدول فهو تواجد الجماعات الإرهابية، وإمكانية تجمعها في مكان داخل الأراضي الليبية الشاسعة، وإن كان الأمريكان لهم كل الكلمة في الأجواء الليبية، لهذا هم متيقظون للأمر ويعملون على التدخل كلما استدعى الأمر، لإيقاف هؤلاء وقصفهم متى أرادوا دون أن يجدوا من يمنعهم أو يقف في طريقهم.
دون أن ننسى انشغال الأمريكان ورئيسهم وإدارتهم في هذه المرحلة بملفات أكثر أهمية وأكثر اشتعالا في دول أخرى، يجعل الملف الليبي من آخر اهتمامات الإدارة الأمريكية في مثل هذه الظروف.. ولعل ما يحدث في الملف الإيراني وما وصل إليه الحال من مواجهة مسلحة بين البلدين أهم وأولى من كل الأزمة الليبية.. دون أن ننسى الإشارة إلى ملف العلاقات الأمريكية الصينية والصراع بينهما سياسيا واقتصاديا.. وما يحدث في لبنان من مواجهات مع العدو الصهيوني، ولا نتجاهل الملف الفلسطيني وما وصل إليه الحال مع العدو الصهيوني خاصة بعد أحداث 7 اكتوبر.
وحتى ما يفعله المبعوث الشخصي للرئيس الأمريكي للإدارة الأمريكية أو خارجيتها المدعو “بولس” والذي تصدر هذا الأمر لعلاقاته الشخصية والعالية مع الرئيس الأمريكي ترمب، لا حنكته السياسية ولا علاقاته بدهاليز السياسة الأمريكية الحقيقية وغرفها المغلقة، فهو مجرد مبعوث مرحلة لا أكثر، ودوره يرتبط ربما بتحقيق مصالح محددة، ربما تكون تجارية وشخصية أكثر منها مصالح الدولة الأمريكية الفعلية، وكل ما يراد الوصول إليه من خلاله هو محاولة التحكم في المسار الليبي بكل شخوصه وتعقيداته، وإبعادها عن مسارات أخرى، وأن لا يخرج عن الوضع الحالي ليبقى في أدنى مستوى من المواجهة والاشتعال لا غير. وهو ما يعني ترك الوضع على ما هو عليه حاليا حتى إشعار آخر، مع محاولات محددة من هنا وهناك لاختراقه ومحاولة إيجاد بعض الحلول المحدودة لتمريريها إن أمكن ذلك.
لهذا هم لن يكونوا أحرص على ليبيا من أهلها، فإن وجدوا أن هناك رغبة من أصحاب البلاد في حل الأزمة فعليا والاتفاق ولو في أدنى حد لتوحيد البلاد وإنهاء أزمتها فسيقفون معهم ويدفعون بالأمر للأمام، وإن وجدوا أن الأطراف تتلكأ في ذلك وكل طرف يرفض الآخر ولا يريد له مكانا، فهم سيبقون يمسكون بكل الأواق لكنهم لن يستعجلوا الحلول والضغط أكثر من اللازم للوصول إليها.
لهذا على الليبيين عدم الارتهان كثيرا إلى أهمية الدور الأمريكي واعتباره الحل القادم الذي لا بديل عنه، وأنه سيأتيهم بكل العلاج لكل أزماتهم في وقت محدد، وكما يشتهي كل منهم.. وهو ما يتطلب منهم أن يعملوا على العمل على إنقاذ بلادهم ويجدو طريق الحل بأنفسهم بطريقة أو أخرى، ويقبل أحدهم بالآخر ولو في أدنى حد، دون فرض أو رعاية خارجية قد تزيدهم معاناة وانقساما، فهذه هي السياسة أو أنهم سيبقون هكذا حتى يقضي الله أمرا كان مفعولا..



